
المحتج ابداً، الناقد النافذ والساخر اللاذع، الهادم لمسلمات المجتمع والثائر دوماً من اجل روح الجمال ، الجمال الاعتيادي البسيط الذي ممكن ان يمثله مجرد حصان مسكين يموت على رصيف رخيص. السريالي العجوز، الشعبي المتفجر، السينمائي الطفل ،المسرحي الملهم الساخر من شخصيات التأريخ، كلها مجتمعة واكثر مثلت شاهدا قويا ليس على فرنسا وأوربا في تلك الفترة المشتعلة من عمر القرن المجنون المنصرم والممتدة بين 1900 ( عام ولادته ) حتى 1977 (عام الرحيل) - لم يمثل شهادة فرنسية أوربية فقط بقدر ما كان خطابا احتجاجيا متواصلا على ما يحيط الإنسان المعدم والبسيط من دمار وظلم وجوع ومرض وشعور كبير بالحبس الإجباري وامتد هذا الانثيال الإنساني في داخل بريفير الى كل ما هو جمالي ( اعتيادي) في عالمنا المهووس لم يكن معني كثيرا بما هو ميتا فيزيقي او صوفي بقدر اهتمامه بالشعبي السائد في الشارع من الإنسان كقيمة عليا وحتى اصغر الأشياء وأتفهها ربما كالحجارة في الطريق. أيام التكوّن المنسية بريفير الطفل ولد في باريس وتمثل له أماكن الطفولة ذلك الحلم الساحر العابق الذي كوّن لا شعورياً لبنات شخصية بريفير الرافضة الثائرة العيش وسط الطبقة العاملة المعدمة، تنشق هواء الحرمان والقهر وتماسه المباشر مع كل ما كان يدور في تلك الفترة الساخنة من عمر فرنسا وخلف جدران البيوت وأسرارها المرة المترعة بكل تناقضات الحياة وتقاطعاتها الغريبة من فرح وحزن ، كفر وأيمان ، خيانة ووفاء ، إحباط ونجاح ، موت وحياة .. هذه الأماكن ظلت الخزين الأول المهم الذي غطى بشحناته الفترات اللاحقة لمغامرة بريفير الحياتية الصعبة والمشتبكة . لم يفارق باريس كثيرا سوى لاغتراب مفاجئ حصل بسبب حالة رب الأسرة الاقتصادية التي اضطرته للسفر بحثاً عن المال، وسوى الزيارات الشبه سنوية التي كان يقيمها والده للعائلة لمقاطعة (بريتايني) المشرفة على المحيط الأطلسي هذه الزيارات لتلك البقعة الهادئة بأجواءها الساحرة تركت في صدر بريفير شاعرية مستوحاة من هدوء الارض وسكونها وهياج المحيط وثوراته لتكون فيما بعد بريتايني ( الموطن الأصلي للعائلة) القالب المكاني للعديد من قصائد بريفير واعماله المسرحية.بريفير الحر المتمرد كان رافضا مميزا للقيود بشتى أنواعها الكبيرة التي قد تبرز بأنساق اجتماعية صارمة ينبغي عدم تجاوزها والصغيرة منها التي ربما تكون مختلفة من شخص لاخر حسب تكوينه النفسي والفكري كالمدرسة مثلاً اذ كان بريفير كارها للمدارس ناقما عليها ليس لكونها مدرسة بحد ذاتها بل للأساليب المنتهجة في تعليم الصغار والكلاسيكية المضجرة التي قد لا تراعي الوضع النفسي الخاص للنشء والذي قد يتغير من طالب لاخر وبتالي تحول المتلقي الي متلق سلبي غير فاعل. كان شغوفا ( بالكسالى) من الطلبة وظهر ذلك جلياً في عدد من نصوصه التي عبر فيها عن حاجاتهم الخاصة وأراءهم المختلفة.واحتفى بريفير بالطفولة بشكل كبير وافرد لها جزءا واسعا من تجاربه الشعرية وطارد هموم الطفل ومشاكله بأدق التفاصيل فكتب عدا موضوعة المدارس عن قسوة البيوت وغباء الأباء في فرض نمط حياتهم بالقوة ومشاكل الأطفال القاصرين في مستشفيات التأهيل ومعاناة اليتامي في مؤسسات الدولة المجتمع .. بوابة الفساد الشريف! الفضاء الكبير الذي تجتمع فيه البشر وتتعايش وتمارس حاجاتها بأشكال مختلفة ومتنوعة والحرب الكبيرة والتنافس بين البشر على حياة افضل ربما تجعل المصالح تتقاطع مما يولد مواجهة تنتهي بخسارة الضعيف / الفقير وانتصار القوي / الغني الذي يتلاعب بكل شيء ثابت ويغيره حسب أهواءه المريضة حتى القانون والشرع التي لا تساوي عنده حذاء قديم!المجتمع ليس سوى بوابة يطل منها الإنسان / الشاعر على كل هذه التناقضات المدوخة التي تطيح به وترنحه على أرصفة شوارع الفقر والحرمانالشعارات الفاسدة والأحلام المضللة للساسة ، الأيدلوجيات الشريرة، الفكر الخداعي للشعوب، الكذب، الخداع، خسارة المتفوقين لفرصهم في حياة افضل مقابل صعود المسوخ واستيلاءهم على كل شيء بالقوة. هذا العويل الكبير حوله بريفير الى انتقام حاد وهجوم شرس على كل الثوابت والقواعد السابقة لم يسلم من انتقاده شيء بدءاً من القيم والأعراف السائدة والأمثال والحكايا الموروثة وانتهاءاً بالسماء التي وجه إليها هجومه أيضاً وقد يكون السبب في ذلك انتماءه اللصيق بالحركة السريالية خاصة اذا عرفنا انه كان صديقا مهماً ل(مارسيل دوهاميل) و (ايف تانغي) وتعرف بعدها على بريتون وايلوار وانضم معهم للسريالية مؤمناً بها ومدافعاً عنها بكل ما حملته من هدم للقواعد الدينية والاجتماعية بشكل عام واثر ذلك الانتماء والإيمان على شعر بريفير في تلك الفترة وما بعدها. انصب هجوم بريفير على مسببو الحروب وقد شخصهم بالرأسماليون وهاجم أيضا المؤسسة الدينية وكان يعلن عدم إيمانه بها بالإضافة إلى القيم البرجوازية في المجتمع والتي كان يراها فاسدة ومضللة وانتقل نقده الساخر إلى الفكر الذي يحرك هذه القيم و يسوغ لافعالها وينظّـر لها بل هاجم مؤيدي هذا الاتجاه من الكتاب والفنانين والصحفيين.كان شغل بريفير الشاغل هو الهم الإنساني فتراه يتأمل بعمق بالكثير من صور الحياة: دم المنتحرين والمرميين بالرصاص والذين يموتون بحادث عابر، صراخ ام في الولادة وبكاء الوليد ، الغسيل بيد فتاة غضة تطل من شرفة في حي فقير، ريش السنونوات المهاجرة، حيرة بائعة الأزهار وهي تفكر بأولادها المرضى في المستشفى، وصوت المطر الحزين على نافذة عجوز تركها أولادها على حين غرة. خصوصية الاشتغال الشعري لدى بريفير البساطة والعفوية واليومية والمفارقة هي ابرز سمات اشتغال جاك بريفير الشعري، البساطة في التركيب الشعري والتعابير المستخدمة اذ ينتقي اغلب مفرداته من الشارع الفرنسي ويدرج إلى استعمال ألفاظ شعبية محلية غير مطروقة ويوظفها في النص توظيفاً ذكياً غير مبتذلاً واستخدام اللغة المحلية في شعر بريفير له خصوصية التعبير عن الهم الفردي للإنسان مستغلا التراكمات الاجتماعية وإيقاع الحياة ولغتها المشاعة التي يحولها بريفير الى نصه بفن متفرد له ادواته وتقنياته الأسلوبية التي لا يتسخدم بها المصطلح الغريب والشاذ بقدر المشاع اليومي وبصياغات متنوعة حسب التركيب الذي يصممه في بناء القصيدة ( البريفيرية) –ان صحت التسمية-هو يخاطب الجميع بلغتهم وبالجمل التي يستعملوها في حياتهم الاعتيادية وقد أفادت هذة الأسلوبية بيريفير في تقريبه من فئات كبيرة من الشعب الفرنسي ولم يكن حضورا مقتصرا فقط على الطبقة الثقافية فكثيرا ما تصفه الدراسات هناك بالشاعر الشعبي.أما عفوية شعر بريفير فتكمن في إحساسه الخاص ان العفوية في كتابة النص الشعري هي أهم صفات ومقومات الشعر الصادق بحسب تعبيره فهو يعتبر ان العفوية هي السمة الأبرز في الشعر وكان ينتقد بعض مجايليه ممن يؤمنون بضرورة إجراء تعديلات على النص الشعري بعد كتابته بفترة طويلة اذ يرى ان هذه الممارسة تقتص من عفوية اللحظة الشعرية وخصوصيتها في تلك الفترة وحالة الشاعر النفسية أثناء كتابة النص لاول مرةغير ان عفوية بريفير عفوية مدروسة ومحسوبة بدقة عالية تصب في مصلحة النص وليست عفوية مفرطة انفلاتية تأخذ النص لمتاهات اغترابية تنهيه بغير ما ابتدأ بههي عفوية نظامية مدروسة تبدأ في جزيئات النص الأولية إن اقتطعناها وتتطور في السياق العام الشعري.ويستقي بريفير عفويته من استغلال الموروث الهائل للحياة الفرنسية المضطربة آنذاك فتراه يجتهد في اختيار موضوعة بسيطة ويفجر حولها اللغة مستفيدا من التلاعب بالحروف والجمل او بعض خصائص الجناس في اللغة الفرنسية محاولا تحقيق عنصر الصدمة والغرابة بأكثر الصور عفوية وبساطة.ومن الجدير بالملاحظة ان بريفير مارس الفن السينمائي حتى أواخر حياته كمؤلف وكاتب حوار ومساعد مخرج وقدم عددا من الأفلام الناجحة بالإضافة الى الكتابة المسرحية التي مارسها منذ مطلع الثلاثينات ألّـف خلالها مسرحيات جابت مسارح فرنسا وبعض المسارح الأوربية، وقد تركت الممارسة الكتابية في المسرح والسينما أثرا في تقنيات السرد الشعري عنده هذا الى جانب العمل الإخراجي كمساعد مخرج استفاد خلالها من تقنيات السينما والمسرح الكثير ووظفها بحرفنه داخل النص كالصور الفجائية السريعة في قصائده والمشابهه لحالة الصور الفلاشية السينمائيةاو خاصية العرض الصوري التدريجي والحوار وتقنياته المختلفة بالنسبة للمسرح.يغلف هذا كله الأداء الناقد الساخر المحتج دائماً البسيط / غير المصطنع واعادة النظر للحياة وتشكيلها من جديد بوجة نظره الشاهدة على الأحداث.يومية مواضيع بريفير مرتبطة بخيط رفيع بأفكار وقضايا عميقة وملتبسة وخطيرة اذ يستل من موضوعة يومية إشكالا يربطه بفكر او اعتقاد ونسق اجتماعي سائد وقد يستخدم نوعا من السرد الحكواتي في نصوصه فيما اسميه ( قصة شعرية ) لها بالطبع خصوصية الشعر الفرنسي والأجواء الكتابية السائدة آنذاك والتي ربما كانت تتقبل محاولاته في هذا الإطار.يظل جاك بريفير روح الطفل المحتجة على قبح الحياة وتناقضاتها المرة ، يظل الساخر أبدا من الطغاة والعتاة والمردة عبر التأريخ ، المنتصر للعمال والفقراء المعدمين على وجه الأرض حاملا روح الشعر العظيمة والفن المتفرد الخالص صادما الإنسان بمسلماته وثوابته مهزهزاً الأرض من تحته ومفجرا قناعته وممزقا ولأقنعته الخادعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق