الأحد، مايو 19، 2013

كأَنْ لا ليل قبله




كانَ يشعرُ بالوَحشة،
وَحشةِ مْن يموتُ الليلة.
كأنَّ جماعةً من الموتى أو الملائكةِ
ينتظرونه كي يأخذوه معهم
حيثُ لا رجعة أبداً

مراتٍ عدّةً افلتَ النومُ منه، 
وظلَّ قلبُهُ يحوم بأرجاءِ البيت
كعصفورٍ أضاعَ سبيلَهُ، ليدخلَ غرفةً بالصدفة.

الفِراشُ سجادةُ أشواكٍ باردةٍ، مُهِّدَتْ بعناية.


كلُّ خطوةٍ يمشيها في الممرّاتِ تستعجلهُ ليُسرعَ أكثر
أيُّ مسافةٍ تكفي لردمِ هذا الوحشِ وإسكاتِ فحيحِهِ؟

كانَ يشعرُ بوَحشةِ مَنْ يموتُ الليلة،
وكانَ الليلُ ثقيلاً كَسِرٍّ قديم
يُلِّحُ بأسئلةٍ لا جوابَ عليها،
بأهوالِ جماعةٍ ينتظرونَ ولا يتكلمون
لا يُصدِرون ضجةً كأنهم بلا أقدامٍ أو صفات.
كأنَ الليلَ مُلْكُ مِزاجِهِم الملتبس،
ليلَ الوَحشة.


ومن يدري أنَّ لرعبهِ أبواباً لا تُفتَح
ومصابيحَ مهشَّمة
وسكاكينَ حادّةً وغيرَ مرئية؟
من يدري أنَّ لألمهِ لغةً بلا لسان
أو لساناً منعقداً أو مشلولاً؟.
من يدري أنَّ وَحشتَهُ تتكرر
وتمتدُّ وتعلو وتتمطى،
وتمَشي داخلَ رأسِهِ وبينَ قمصانِهِ المشرَّبة بالرِعدة؛
أنَّ ألوانَهُ تتبدلُ وأنَّ المسافاتِ تختلطُ عليه
أنَّ الأَسرّةَ تقضُّهُ بأشواكٍ جافّة،
أنَّ الليلَ سرُّهُ النازفُ والنهارَ رهانُهُ الأقلُّ أماناً.
...
لا أحد.


كانتِ الوَحشةُ مستمرةً وغيرَ نهائية
كانتْ تفتحُ في جسدهِ ثقوباً تتأجَّجَ بثقوبٍ متأجِّجةٍ
وتحيلُ الجدرانَ ألواحَ صَلْبٍ والشبابيكَ مقاصلَ رطبة
ليلٌ عاطلٌ
كأنْ لا ليلَ قبلهُ
كأنَّ ساعاتِهِ موصولةٌ بسلسلةٍ من الساعاتِ لا تنتهي إلا في الجحيم
كأنَّ الجحيمَ استضافَهُ هذه الليلةَ باكراً؛
ربمّا السماءُ نَزلَتْ ساحقةً
أو الأرضُ صَعَدتْ تنتفض.

وكان الفجرُ حلماً يصدأ،
كان اشتعالُ الحاضرِ بزيتِ ماضيه وثقابِ أيامِهِ القادمة
كان الخرقةَ التي يسدُّ بها فَمَ البركان

ومن يدري أن لِبركانِهِ آياتٍ في الأزقة الضيقة
والبيوتِ الواطئة،
آياتٍ لا مُرتِّلينَ لها ولا منصتين
من يدري أنَّ سكونَهَ كاذبٌ وغشّاش
وأنّه يغلي بأماراتٍ ملغزة:
أمارتهُ الفجرُ يدفعُ عنه تهمةَ الليلِ أو النهار
أمارتهُ أسمالٌ معتَّقةٌ بأشباحِ الغائبينَ ومصابيحِهِمُ المظلمة؛
يدٌ ترجفُ الحقيقةَ وتتنصلُ منها؛
عينٌ تسكبُ كوابيسَها دفعةً واحدة.
...
لا أحد.



ومن لهُ بعدَ كلِّ ذلك
من للمستوحِشِ في ليلتِهِ الأخيرة
غيرُ ملائكةٍ أو موتى
ينتظرون...

أوزار اليقظة.. أو... السرور بالكيفية الشعورية


مقداد مسعود
جريدة المدى العراقيّة

محاولة تفعيل الاتصالية بين (تكلم النص) و(مكالمته) في نماذج من قصائد (الحالم يستيقظ) للشاعر علي محمود خضير


(1)
 
قصيدة (إذ تعكس الشمس أحمر شفاهها)...


فاتحة القصيدة..يستعملها الشاعر علي محمود...لينقضها عشرات المرات وسيكون النقض
شعري ألإجراء..من خلال تركيم الحالات النقيض..


(فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة/43ص)..هكذ تبدأ القصيدة..توهمنا..عبر
توظيف ذكي لموجز انباء لحظتنا العراقية..أنها قصيدة بحنجرة مبحوحة..وهي فعلا بداية تغوي الحنجرة
لتشغيل لافتاتها السياسية..لو كانت القصيدة لغير الشاعر علي محمود..بعد هذه الفاتحة الشعرية،يقوم الشاعر
بعملية منتجة(مونتاج) لينقل القصيدة،عبر عين الكاميرا الى تفعيل لقطات هي البديل الموضوعي عن عنف
مشهد المفتتح الشعري: يذيعون/ فرق تناحر / بيارق تهتز/ وعود مفزعة....
وستكون اللقطات ضمن فضاء مفتوح للحب حصريا:1- تبدو المروج ممتدة كالمدى
2- تبدين زاهرة هذا النهار
3- لنعد خلف سعاداتنا،بين القصبات النحيفة،الخجولة لكن الطيبة
4- لابد للسماء أن تفرش غيوما حانية.5- وتمد يدا ودودة تضحك بألوان سبعة
6- لنجر حد ألأعياء
7- نخط ذكرى في قلب الشجرة العجوز أعلى التلة
8- ترى كم من العصافير على أصابعها الطويلة؟
9- وكم منها ترقص في عينيك؟
11- سنغمر قمصاننا بالعشب،
12- نتيه عن الوقت،عن النهر الذي يفصل اتحادنا، جوهرة تلتمع في تيه العدم.13- ستصافح النسمات جديلتك العابثة ولن تنقضي الساعات إلا ونحن منهكون بين
 
الحطبات والخراف الطيبة
14- أركضي وأنا خلفك،وحاذري أن امسك بك.
...
15- لنذهب جهة الشاطىء،نحضن زرقته بأحداقنا،
16- نكتري زورقا بقلبينا المرتجفين لأمواج تصخب.
17- سنحيا كما نشاء.
18- كيف يقال الحب؟ أهمس،..تنصتين.19-كم منك في؟ تهمسين..أنصت.20- ستكلمينني عن أقراطك الطويلة،عن ألأب الصارم،
إدامانك القهوة.21- سأطلب لروحك نهارا هائنا،نهارا دون بيارق ووعود.22- سيجافينا الملل. ولن أسأل عن يديك الملتبستين كالفجر


(2)

تأملات في أحمر شفاه القصيدة

في عنونة القصيدة..دعوة هادئة للمشاركة في تأنيث العالم،للشمس وظيفة مرآوية..ذهب الشمس يعكس المحذوف كتابة
والمشار اليه علاماتيا / لونيا: (أحمر شفاهك)..الطبيعي يناصر ألأنوثي..تتزامن فاعلية الشمس ألإشهارية،مع ما يفعل
عالم الذكورة،في واقعنا المعيش..وإذا كان المعنى يظهر بقدر طاقة القارىء وكل قارى يذهب الى النص بطوقه أو طاقته* فطاقتي ترى: وظيفتين للعنوان: العنوان كثريا، اما الوظيفة الثانية فشخصيا اراه السطر ألأول من القصيدة..وها انا قرأ القصيدة هكذا: إذ تعكس الشمس أحمر شفاهها،فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة..
*
هندسة القصيدة: من خلال البيت ألأول(فيما يذيعون عن فرق تتناحر وبيارق تهتز بوعود مفزعة)
                   
والسطرماقبل ألأخير:(سأطلب لروحك نهارا هانئا،نهارا دون بيارق ووعود)
   
هاهي القصيدة بين قوسين من البيارق والوعود...في القوس ألأول البيارق والوعود موجودة
في القوس الثاني..محاولة لحذف البيارق والوعود من نهار هانىء..
لايتم الحذف،دون تأثيل العالم البديل..وهنا يومض صوت الذكورة هامسا خضلا بتأنيث العالم لتخليص لحظتنا العراقية
من تجاعيدها كلها... ومضات العشق تحاول بكل ازهرارها ان تزيل  أحتدام فضاءالسطر ألأول من القصيدة.


(3)
*
المعادلة بطرفيها..

يشكل فضاء ألإحتدام سطرا واحد من القصيدة / يقابله واحد وعشرون سطرا من الدعوة الى تأنيث العالم عبر العشق.
*
الذكورة/ ألأنوثة: في هذه ألأسطر صوت الذكر هو الذي يدعو ألأنثى..للمشاركة في تأنيث العالم..في (21) من الجملة
الفعلية..للذكرعشرين سطرا شعريا..للأنثى سطر واحد: (كم منك في؟ تهمسين..أنصت) وحتى السطر الشعري هذا الذي
تعود عائديته للآنثى هو سطر منفعل لافاعل / يتموضع كمعلول لعلة السطر الذي يسبقه(كيف يقال الحب ؟ أهمس..تنصتين) والذكر سيقول الأنثى كلاما بعد سطرها الوحيد(ستكلمينني عن أقراطك /ص 44) هل يمكن إعتبار القصيدة
منولوغ ذكوري..و(عن الذكر تستظهر ألأنثى حدود فاعليتها ومفعوليتها)*..
أراني كقارىء أمام بوح ذكر حيال أنثىا ه..من خلال الحضور العارم للعاشقة في البنية الداخلية والخارجية للنص..
لكن  الذكر لايريد من أنثاه وظيفة الصدى..بل فاعلية الصوت..(أركضي وأنا خلفك،وحاذري أن أمسك بك)
ومابين القوسين شفرة شفيفة ولاتحتاج  مفتاحا دلاليا بل..همسة عشق ناصعة لتنفتح بأسترخاء عذب.
فضاء القصيدة ينداح بمعنى مغاير لما ألفناه في قصائد العشق....لاصفة مبالغة في توصيف الحبيبة
ولايعد الحبيب حبيبته بوعود غير واقعية..هذا التعامل  الحداثي مع العشق.. يضعنا في كيفية إتصالية ندرك من خلالها
المتغير الجمالي الموائم للحظتنا العراقية،والمؤدي الى توليد دلالي في افق مختلف للمألوف الشعري..
أفق مزدوج القيمة: تشع منه جماليات النص وعمق الدلالة العشقية.
ومن خلال تكرار قراءتي لقصائد الشاعر علي محمود اتساءل،ألأ تشير قصائد الشاعر الى تفكير شعري مختلف ؟

إذا كانت الذاكرة الشعرية، تطوق طاقتي كقارىء، عبر إتصالية: تفكير / تذكر...فأني سأبحث عن مديات قصيدة
(..
أحمر شفاهك) في آفاق قصائد أخر..ربما سأجد ضالتي الشعرية في القصيدة التي تسبقها والقصيدتين اللتيين،مابعدها.
في (صورة فوتوغرافية) يتوالى البوح الشفيف بمجازاته آلآسرة،عبر منولوغ شعري لذيذ،يستعيد الذكر فيه زمنا خضلا
أقتسمه مع انثاه: نلاحظ كيف يتم تصعيد كرستال المجاز:
"
هل ورطت الندى حين قارنت بينكما ذات غربة ؟
   
وهل بغيرك يلوذ فراش البرية ؟
   
وحيدة قضت ليلتها شجرة آلآس
               
وأصص الدفلى
لم تتركي شيئا لعصافير الشرفة الصيفي"
الحبيبة هنا..تتفوق جماليا على طراوة الندى،وازهرار آلآس والدفلى ورشاقة عصافير الصيف.
ثم تتنامى سيرورة القصيدة صعودها عبر إتصاليات الجميل ومظاهاته،في لغة شعرية صادمة للوعي الشعري التقليدي
"
أفتح قميصي، عله يهرب
   
النرجس الذي تزرعينه على صدري
      
وحتى أغيض أشتياقي
 
لاأبتدىء نهاري إلا بصورك الفوتوغراف
     
كم سألتك حينها
   
من وشى للعصافير بمكانك؟
 
من هرب قوس قزح ليرتمي شريطا بين خصلاتك ؟
 
ومن أين جاءت كل هذه الفراشات ؟"


(4)
إذا تكلمنا بلسان (طوق الحمامة)..فأن هذا النص الشعري في إنزياحاته الآسرة،يجعلنا نشارك الشاعر سروره
بالكيفية الشعورية.إننا في هذه القصائد في حضرة (نزعة ألإشتداد)..العشقي..المبثوثة ،حين نرى
الى القصيدة ككائن تتحقق كينونته في  ديمومة  مديات التكلم..أليست القصيدة كينونة/ لغوية / متكلمة ؟
نعم القصيدة كينونة..تحيلني كمصطلح الى كلية الوجود تلك الكلية بأتصاليتها الثنائية: جسد / روح..
جواني / براني..معنى / مبنى../ هامش / مركز..

في  قصيدة (رسالة ستضل عنوانها أيضا) محاولة شعرية لأستعاد زمن عشق انتهى على وفق إتصالية تضاد
"
لك أن تعيشين كما ترغبين
ولي أن أحلم"

وهاهي حاضرة أو مستحضرة عبر حلم يقظته الشعري عبر ثنائية إتصال (صرت مجذافا كلما صارت زورقا)
)
شارعا كلما أزدحمت بالآخرين(
)
ألأشياء حولنا تتماوج بين حضور وغياب)


(5)
*
أمتياز ألأنثى..

يرى العاشق أنثىاه بعين القلب، وفي عمق الحبيبة يتحرر العاشق من عقال عقله فيمحو  (هم) من أعراسه محلقا في ملكوت  حرية لاتنفذ..يراها  ملء: التجلي وهو يفرط  لها القلب رمانة... مطلق ألأنوثة،فلاتفي مفردة (علاقة)
بالمعنى المقصود من الصلة بين ألأنوثة والذكورة..حيث تتقدم مفردة (نسبة) لما تحمله من معنى القرابة الباطنية،هنا يتحد العاشق بالمعشوق داخل الموجود نفسه وهكذا تنبني وحدة العشق على تركيبة من نسبتين متماهيتين..*
لنحاول إحصاء وجيز امتيازاتها:
)
تصب الحياة مركزة في فمي، بعد أن تصفيها شيئا فشيئا عبر قلبها المرتعش بحيرته(
)
كان السؤال ثقيلا بالمرة،وكانت تتجاهله بما لها من عيني طفل ورائحة ملاك(
)
وحدها كانت تمنح ألأشياء لونها ومعناها العتيق وتبدد عبث الوقت وبلاهته(
)
كورقة خضراء في حديقة،وبعيدة كسحابة(
)
ماتجرأت أن أطعنها برحيلي إلا وأنا محتدم فيه(

وإذا كانت أنثى قصيدة (..أحمر شفاهك) تجيد ألاصغاء،فأن  ألأنثى هنا
"
وليس كأية أمرأة، كانت تجيد القول:
ألامنية..عذاب الروح
الألم أخرس ولايحسن النطق"

المرأة منتجة قول هنا والرجل يكررإنتاج قولها بكتابته
"
كنت أدون ماتهمس...تدوين ملاك يصارع جحيمه الخا ص، مثقلا بذنوب غفلته"

-6-
*
إتصالية ألألم..

ألأنثى في(رسالة تضل...) يرصد الذكر وهي...
"
تنوء بجرحها القديم، مخفية ما أستطاعت حبات من دمعها ألأسود ينزل سريعا، فتخذله المناديل"
الذكر في قصيدة(دهشتي كلها) يعلن..
"
لأني غائر بسحنة الخجل
 
صحت بألمي لاتنكسر
أجلسته على دكة المخذولين
وقلت له أنتظر
ستحط على شرفاتنا فواخت ألأفراح"
ألأنثى تخذل دمعها المناديل ------------ الذكر يجلس ألمه على دكة المخذولين ويطالبه بأنتظار اجنحة الفرح

كلما اعاود قراءة قصائد الشاعر علي محمود خضير..أتساءل (من منا لايفتدي هذه التجربة الممتلئة بالحرارة والحياة
بجزء كبير من ساعات عمره الرتيبة الرصينة المتكررة الباردة ! هذه هي سنة الإشتداد أو سنة العشق ومن سار على
سبيلها وهداها رفض التعقل وألإعتدال وألإتزان بالتطرف وبالشغف بالأخطار والمغامرات..)* وهنا تكمن قوة التغيير
الشعري..وهي تنقلنا من رمادية التنظير الى الفارعة الخضراء الخضلة...: شجرة الحياة..
http://www.almadasupplements.com/news.php?action=view&id=4312


*
شاعر وناقد عراقي

*
علي محمود خضير / الحالم يستيقظ / دار(الغاوون) / بيروت / 2010
* (
تكلم النص) و(مكالمته) أقترضناهما من د.عبد الواسع الحميري / في آفاق الكلام وتكلم النص /ط1/2009/ دار الزمان / دمشق
*
وعن الذكر تستظهرألأنثى.../ ص47/ يسرى مقدم / الحريم اللغوي / 2010/ بيروت / شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
*
رسائل أبن حزم ألأندلسي / طوق الحمامة في ألألفة وألالاف / المجلد ألأول / تحقيق الدكتورإحسان عباس /المؤسسة العربية للنشر / 2007
*
من منا لايفتدي هذه التجربة.... ص38/ صادق جلال العظم / في الحب والحب العذري / منشورات نزار قباني/ بيروت / 1968.

براءة الذات إزاء مرآة الآخر..الحالم يستيقظ لعلي محمود خضير




أثير محسن الهاشمي

جريدة المدى العراقيّة

يُنتج  الشعر دائما عن ذات الشاعر، وما تحمله من ثقافة وهموم وهواجس، فالشعر كما  يعبّر هلدرن (أكثـر المشاغل براءة)، فهو، أي الشعر، منبع براءة الذات  الشاعرة والمعبرة عن مكبوتات الإنسان وما يحمله من هموم وتساؤل دائم.


يقول نوفالس ان الشعر ((نقل للنفس أو للعالم الخارجي بكليته، حتى الألفاظ تثبت ذلك ؛ لأنها فيض من العالم الداخلي للنفس)).
في الحالم يستيقظ  للشاعر علي محمود خضير ثمة تعبير عن هموم جنوبه، وحلم لعشق أكثر طراوة وأمل:
كم حدّثتك بعدها عن أجنحتي التي لا تخفق
عن حقائق خذلتنا وإشاعات صادقة
 
عن ذكريات تـُطلق وحوشها على أيامنا العارية
... 
مللت الحكايا أفرشها مخافة أن تـُنسى
وأطلق أنفاسها لئلا تصدأ
مللت السبل نبذل فيها أعمارنا المحدّبة، ولا تعرفنا (ص 11)
يـُــلبس الشاعر عري الكلمات أثواب البلاغة اللغوية، التي ترتقي والأسلوب الحداثوي (أيامنا العارية / الحكايا أفرشها /  أعمارنا المحدبة(
تنطلق شعرية النص من الصور المندرجة ضمن إطار الكلمة البلاغية المعبرة، وبلاغة الكلمة القابلة للتأويل والإيحاء والرمز، كما في (عري الأيام، وفرش الحكايا، والعمر المحدّب):
كان الليل وقتها على أتمّ سواده والريح خلفك تنبح
البارحة عند اكتمال الأسى على حافة جرح نبيل يبدأ (ص16)
يستنهض الشاعر ارثه الشعري من لغة السياب (المطر، الريح،.).

هذا الهاجس القلق، والوصف المتغير، ينشأ أسئلة مختلفة لدى المتلقي، يسعى من خلالها لاحتواء المعنى بأكثر من دلالة:
غائم وجه الماء
للافتات السود
تاريخ آهل بالصمت
وللتوابيت عطش (ص 29)

يرغب الشاعر لأيام هادئة ملؤها الفرح والطمأنينة، على الرغم من تشاؤميته الواضحة في مقاطع من نصوصه الشعرية، فلا الماء ترمق ظمأ الاحياء  العطاشى، ولا العطش يوقف التوابيت المتزايدة أثر الحرب، فيستعير الشاعر لغة السماء للماء، صانعا وجها له (غائم وجه الماء)، وهذه صورة شعرية، يرسم عبرها الشاعر استعارة بلاغية، فيجعل للماء وجها، ويـأخذ صفة غيم السماء  ملامحا للماء، وبذلك تمتزج لغة التفاؤل (الماء / الحياة) بــلغة التشاؤم (الغيم / العتمة والظلام)، بالإضافة إلى المفردات المعبرة عن لغة تشاؤمية (اللافتات السود / تاريخ آهل بالصمت / للتوابيت عطش)
يهيمن الوصف في (الحالم يستيقظ) المقرن برغبة المعرفة،  وهيمنة السؤال، المستفهم نحو أجوبة لا بدّ منها، يضعها الشاعر لدى المتلقي:
هل أجعل أصابعي في أُذني،
كي لا أسمع نحيبها؟
كيف مرّت البارحة
بماذا فكّر رجال المارينز
قبل ان يقتحموا عليها الدار
ماذا سيقولون للرب ّ (ص31)

ان ما يميز نصوص علي محمود خضير، تلك الرغبة بمشاركة المتلقي باستفهامه، اذ  بات السؤال اليوم يشكل بؤرة مهمة لبلوغ اللغة الثقافية، لسدّ فراغ الذات القلقة، خاصة حينما يقترن السؤال بالتناص، فحجم المعرفة يزداد بانغلاق حجم المباشرة اللغوية، إذ يتناص الشاعر مع الآية القرآنية الكريمة:
"يَجْعلون أصَابعهم في أذانهم من الصواعقِ حذر الموت والله محيط بالكافرين"
فيتغير جعل الأصابع من أصابع جماعية كي لا يسمعوا صوت الصواعق، إلى إصبع ذاتي كي لا يسمع النحيب، وبذلك تهيمن الذات بوصفها ردّ فعل لشخصية الشاعر نفسه وسط زحام الأشياء:
المطر يبكي
يغسل دم الضحايا
العالق في هوائنا (ص 48)

إن الصورة الاستعارية لـ (المطر يبكي)، تستدعي التأمل، بمحاكاة المطر والشتاء على حدّ سواء، بكاء المطر يعني الرغبة بالهطول، ومعنى المطر الأسمى يتجلى بالحياة، مع ارتباط آخر بصورة شعرية أخرى (العالق بهوائنا)، فتتكاثف الصور البلاغية، لتعلق في ذهن القارئ، فيشدو الكلام غير مباشر، يضفي معناه إلى شفرات رمزية واسئلة تخضع إلى إجابات المتلقي تارة، وتارة أخرى يضع الأجوبة لدى المتلقي من دون سؤال:
النهر
دمعة تجري على خدّ الأرض (ص 49)

 
تتجلى رغبة السؤال في ماهية الذات المتأملة للأشياء، والنهر واحد من الاشياء التي تهيمن على الأرض، والشاعر يحوّل صورة النهر وجريانه، باستعارة بلاغية، يشكّل من خلالها لوحة فنية استعارية، عندما يجعل الأرض جسد أنثى، والنهر دمعة تجري على خد تلك الأنثى، وبذلك يحوّل لغة التفاؤل والحياة (النهر / الحياة،، الأرض / الخصب والنماء) الى تشاؤم قد يكون مرغوبا فيه (النهر / دمعة،، تجري على خد الأرض).

ان لغة الشاعر تنطلق من ذاته، وما تكرّسه تلك الذات من رغبة بالبوح على أقل احتمال، بوح بما تتأمله ذات الشاعر، سواء انها اعترفت بخسارات الماضي، او انها تنبهت بما سيحدث:
أتأمل الساعة قاسية، لا تنتظر
أتأمل نفسي وانا أتامل (ص 57)

ان قسوة الوقت لدى علي محمود خضيّر تتمحور ضمن مدلولات الحياة وقياساتها، رؤية تندرج على ثنائيات متناقضة، كالهدم والبناء، الوصول من عدمه، الفوز او الخسارة، الانتهاء في آخر المطاف، نحو الذات المتأملة القلقة.. الذات التي ترغب بان لا ترى الحياة متوقفة
.


الثلاثاء، فبراير 19، 2013

وهي تتحول إلى ملاك


                          
                                  إلى عبير


كما تحلُّ العتمةُ فجأةً
هبطَ مطرُ آذار
...

في الخارج
الحديقةُ تسهرُ بأشجارِ تينٍ راجفة.

هل أجعلُ أصابعي في أذني،
كي لا أسمعَ نحيبَها؟
كيفَ مرَّت البارحة؟
بماذا فكرَ رجالُ المارينز
قبلَ أن يقتحموا عليها الدار
ماذا سيقولونَ للربِّ؟
...
ألم يكنِ البابُ موارباً؟

وماذا عن أنينِ أختٍ منتظرةٍ، وأبٍ يتعثرُ الرعبُ
على لسانهِِ ويموت؟
ماذا عن سعال أُمٍّ سقطَ النعاسُ من رأسها
وظلَّ واقفاً على الباب؟
ماذا عن أيديهم القويةِ وهي توثقُ يديكِ الطفلتينِ إلى الخلف
ليفعلوا ما يفعلون؟
ماذا عن الصِّبيةِ في الغرفةِ المجاورة
مكوَّرينَ عندَ الزاوية؟

ماذا عن الـGC؟
باردةٌ وسريعةٌ أكثر مما ينبغي.
كم عصفوراً أطاحت به من رؤوسهم المغمضة
كم من الأحلام؟
وكيفَ سَرَتْ نيرانٌ كثيفةٌ بأضلاعِ البيتِ
وتنفسَ الفجرُ دخاناً ثقيلاً يتصاعدُ ببطءٍ من جلودكم؟
...