الثلاثاء، يناير 03، 2012

ثقافة الإلغاء


(1)

لن أكون مبالغاً إذا قلتُ إن نصوص الثقافة العراقية اليوم، بشكلها الظاهر الطافي على السطح هي نصوص إلغاء وإقصاء، وان الغالبية منها طروحات وأفكار الغائية – اقصائية تحمل عداءاً وكرهاً للآخر وهو، بالطبع، من تتبناه عدواً لها. وفي الغالب أيضاً تكون هذه النصوص - استثني الابداعية منها- ذات بنية أيدلوجية سياسية تحاكم أعدائها دون أن تفتح في الثقافة مدى لسؤال جديد أو تقترح فكر خلاق أو تطرح معالجات للواقع الذي يكابده المجتمع. إنها ثقافة انغلاق أكثر من كونها ثقافة انفتاح. ثقافة تتبنى الكذب والكراهية والنفاق بدلاً من الصدق والحب والحقيقة. بمعنى أخر هي ثقافة ضد الثقافة.

(2)

جلّ ما تحاول أن تقوله هذه النصوص: أنا الحق والجميع باطل، أنا الصدق والجميع يكذبون، أنا سبيل الخلاص والآخرون الهلاك. الفكر الالغائي هذا غالباً ما يعتمد في إثبات أحقيته في التفرد في المشهد على طرق (وضعية) يقترحها هو وفق أيدلوجيته الخاصة الضيقة وخارج مفهوم حوار الفكر المفتوح على الرأي والرأي الآخر، انه يغتصب حق الآخر ويصادره. وهي ثقافة دكتاتورية التطبيق إذ تفرض تفسيرها الأوحد للأمور ولا تحتمل تفسيراً يوازيها أو يتقاطع معها.ونبدو نحن كمتابعين لهذه النصوص في موقف المتفرج المحتار الذي لا يمكنه أن يؤمن أن أراء الفرقاء في بعضهم نابعة من منطلق موضوعي ومنطق حيادي.

(3)

المحزن في الأمر أن تكون هذه المفاهيم هي المفاهيم السائدة وان تكون هذه الأصوات هي العالية فيكون مشهدنا مختنق بثقافة الحرب والاحتراب.كم من ترسبات الحروب التي عاشها العراق لا زالت تُحرك هؤلاء؟، وما ظننا إذن بباقي شرائح المجتمع ذات الأفق المعرفي الأدنى إذا كانت ثقافة ( النخبة ) بهذا المستوى؟.

(4)

أكثر ما يلفت النظر في النصوص المتحاربة تلك هي سطحية ما تتنازع عليه وتفاهته، فلا نجدها –كما تحاول أن توهمنا- ذات هم إنساني معرفي تتبنى قضية الفرد المهمش، المريض، السجين، الفقير فتلك الأهداف بعيدة عن رغباتها بقدر ما نجدها منهمكة في الحصول على مكاسب تفرضها مكانة السلطة والسيادة على المشهد الثقافي وما تمنحه هذه السلطة من امتيازات معروفة وما يتبعه من فرض نفوذ على الجميع حتى تتحول الساحة إلى معكسر لا يعيش فيه إلاّ أبناء حزبه أو أيدلوجيته أو نمطه الكتابي. إنها حرب عصابات، لكنها عصابات ترتدي جلباب الثقافة المهترء!

(5)

على سبيل المثال، يليق بهؤلاء المتنازعين أن يتطاحنوا على كيان بلا روح ومشروع مؤثر أو يتنازعوا على التبرك بأحضان مسؤول حكومة تملقاً أو ابتذال ظهور أعلامي مفتعل .. والخ مما يخجل أن ينسب لحملة الضمير الإنساني المثقل بعذابات الناس ومآسيهم. من غير الممكن، أبداً، بناء حضارة ومعرفة وأدب يستحق الذكر في ظل معارك هذه الفئة العرضية تلك التي لا تتوانى عن تفضيل مصالحها الدونية الصغرى على ما ترفعه من شعارات ومُثل عليا. هؤلاء بأقصائياتهم المجنونة يقصون الثقافة كمفهوم، حواراً ونقاشاً وجدلاً ايجابياً.هكذا يتحولون إلى دعاة دين أو طريقة أصولية: فاما أن تؤمن أو تحل عليك لعنتهم.

(6)

يد تبني هنا وربما هناك

بينما معاول كثيرة تهدم، كل يوم، ما تستطيع.

جاك بريفير .. الطفل المحتج أبداً


المحتج ابداً، الناقد النافذ والساخر اللاذع، الهادم لمسلمات المجتمع والثائر دوماً من اجل روح الجمال ، الجمال الاعتيادي البسيط الذي ممكن ان يمثله مجرد حصان مسكين يموت على رصيف رخيص. السريالي العجوز، الشعبي المتفجر، السينمائي الطفل ،المسرحي الملهم الساخر من شخصيات التأريخ، كلها مجتمعة واكثر مثلت شاهدا قويا ليس على فرنسا وأوربا في تلك الفترة المشتعلة من عمر القرن المجنون المنصرم والممتدة بين 1900 ( عام ولادته ) حتى 1977 (عام الرحيل) - لم يمثل شهادة فرنسية أوربية فقط بقدر ما كان خطابا احتجاجيا متواصلا على ما يحيط الإنسان المعدم والبسيط من دمار وظلم وجوع ومرض وشعور كبير بالحبس الإجباري وامتد هذا الانثيال الإنساني في داخل بريفير الى كل ما هو جمالي ( اعتيادي) في عالمنا المهووس لم يكن معني كثيرا بما هو ميتا فيزيقي او صوفي بقدر اهتمامه بالشعبي السائد في الشارع من الإنسان كقيمة عليا وحتى اصغر الأشياء وأتفهها ربما كالحجارة في الطريق. أيام التكوّن المنسية بريفير الطفل ولد في باريس وتمثل له أماكن الطفولة ذلك الحلم الساحر العابق الذي كوّن لا شعورياً لبنات شخصية بريفير الرافضة الثائرة العيش وسط الطبقة العاملة المعدمة، تنشق هواء الحرمان والقهر وتماسه المباشر مع كل ما كان يدور في تلك الفترة الساخنة من عمر فرنسا وخلف جدران البيوت وأسرارها المرة المترعة بكل تناقضات الحياة وتقاطعاتها الغريبة من فرح وحزن ، كفر وأيمان ، خيانة ووفاء ، إحباط ونجاح ، موت وحياة .. هذه الأماكن ظلت الخزين الأول المهم الذي غطى بشحناته الفترات اللاحقة لمغامرة بريفير الحياتية الصعبة والمشتبكة . لم يفارق باريس كثيرا سوى لاغتراب مفاجئ حصل بسبب حالة رب الأسرة الاقتصادية التي اضطرته للسفر بحثاً عن المال، وسوى الزيارات الشبه سنوية التي كان يقيمها والده للعائلة لمقاطعة (بريتايني) المشرفة على المحيط الأطلسي هذه الزيارات لتلك البقعة الهادئة بأجواءها الساحرة تركت في صدر بريفير شاعرية مستوحاة من هدوء الارض وسكونها وهياج المحيط وثوراته لتكون فيما بعد بريتايني ( الموطن الأصلي للعائلة) القالب المكاني للعديد من قصائد بريفير واعماله المسرحية.بريفير الحر المتمرد كان رافضا مميزا للقيود بشتى أنواعها الكبيرة التي قد تبرز بأنساق اجتماعية صارمة ينبغي عدم تجاوزها والصغيرة منها التي ربما تكون مختلفة من شخص لاخر حسب تكوينه النفسي والفكري كالمدرسة مثلاً اذ كان بريفير كارها للمدارس ناقما عليها ليس لكونها مدرسة بحد ذاتها بل للأساليب المنتهجة في تعليم الصغار والكلاسيكية المضجرة التي قد لا تراعي الوضع النفسي الخاص للنشء والذي قد يتغير من طالب لاخر وبتالي تحول المتلقي الي متلق سلبي غير فاعل. كان شغوفا ( بالكسالى) من الطلبة وظهر ذلك جلياً في عدد من نصوصه التي عبر فيها عن حاجاتهم الخاصة وأراءهم المختلفة.واحتفى بريفير بالطفولة بشكل كبير وافرد لها جزءا واسعا من تجاربه الشعرية وطارد هموم الطفل ومشاكله بأدق التفاصيل فكتب عدا موضوعة المدارس عن قسوة البيوت وغباء الأباء في فرض نمط حياتهم بالقوة ومشاكل الأطفال القاصرين في مستشفيات التأهيل ومعاناة اليتامي في مؤسسات الدولة المجتمع .. بوابة الفساد الشريف! الفضاء الكبير الذي تجتمع فيه البشر وتتعايش وتمارس حاجاتها بأشكال مختلفة ومتنوعة والحرب الكبيرة والتنافس بين البشر على حياة افضل ربما تجعل المصالح تتقاطع مما يولد مواجهة تنتهي بخسارة الضعيف / الفقير وانتصار القوي / الغني الذي يتلاعب بكل شيء ثابت ويغيره حسب أهواءه المريضة حتى القانون والشرع التي لا تساوي عنده حذاء قديم!المجتمع ليس سوى بوابة يطل منها الإنسان / الشاعر على كل هذه التناقضات المدوخة التي تطيح به وترنحه على أرصفة شوارع الفقر والحرمانالشعارات الفاسدة والأحلام المضللة للساسة ، الأيدلوجيات الشريرة، الفكر الخداعي للشعوب، الكذب، الخداع، خسارة المتفوقين لفرصهم في حياة افضل مقابل صعود المسوخ واستيلاءهم على كل شيء بالقوة. هذا العويل الكبير حوله بريفير الى انتقام حاد وهجوم شرس على كل الثوابت والقواعد السابقة لم يسلم من انتقاده شيء بدءاً من القيم والأعراف السائدة والأمثال والحكايا الموروثة وانتهاءاً بالسماء التي وجه إليها هجومه أيضاً وقد يكون السبب في ذلك انتماءه اللصيق بالحركة السريالية خاصة اذا عرفنا انه كان صديقا مهماً ل(مارسيل دوهاميل) و (ايف تانغي) وتعرف بعدها على بريتون وايلوار وانضم معهم للسريالية مؤمناً بها ومدافعاً عنها بكل ما حملته من هدم للقواعد الدينية والاجتماعية بشكل عام واثر ذلك الانتماء والإيمان على شعر بريفير في تلك الفترة وما بعدها. انصب هجوم بريفير على مسببو الحروب وقد شخصهم بالرأسماليون وهاجم أيضا المؤسسة الدينية وكان يعلن عدم إيمانه بها بالإضافة إلى القيم البرجوازية في المجتمع والتي كان يراها فاسدة ومضللة وانتقل نقده الساخر إلى الفكر الذي يحرك هذه القيم و يسوغ لافعالها وينظّـر لها بل هاجم مؤيدي هذا الاتجاه من الكتاب والفنانين والصحفيين.كان شغل بريفير الشاغل هو الهم الإنساني فتراه يتأمل بعمق بالكثير من صور الحياة: دم المنتحرين والمرميين بالرصاص والذين يموتون بحادث عابر، صراخ ام في الولادة وبكاء الوليد ، الغسيل بيد فتاة غضة تطل من شرفة في حي فقير، ريش السنونوات المهاجرة، حيرة بائعة الأزهار وهي تفكر بأولادها المرضى في المستشفى، وصوت المطر الحزين على نافذة عجوز تركها أولادها على حين غرة. خصوصية الاشتغال الشعري لدى بريفير البساطة والعفوية واليومية والمفارقة هي ابرز سمات اشتغال جاك بريفير الشعري، البساطة في التركيب الشعري والتعابير المستخدمة اذ ينتقي اغلب مفرداته من الشارع الفرنسي ويدرج إلى استعمال ألفاظ شعبية محلية غير مطروقة ويوظفها في النص توظيفاً ذكياً غير مبتذلاً واستخدام اللغة المحلية في شعر بريفير له خصوصية التعبير عن الهم الفردي للإنسان مستغلا التراكمات الاجتماعية وإيقاع الحياة ولغتها المشاعة التي يحولها بريفير الى نصه بفن متفرد له ادواته وتقنياته الأسلوبية التي لا يتسخدم بها المصطلح الغريب والشاذ بقدر المشاع اليومي وبصياغات متنوعة حسب التركيب الذي يصممه في بناء القصيدة ( البريفيرية) –ان صحت التسمية-هو يخاطب الجميع بلغتهم وبالجمل التي يستعملوها في حياتهم الاعتيادية وقد أفادت هذة الأسلوبية بيريفير في تقريبه من فئات كبيرة من الشعب الفرنسي ولم يكن حضورا مقتصرا فقط على الطبقة الثقافية فكثيرا ما تصفه الدراسات هناك بالشاعر الشعبي.أما عفوية شعر بريفير فتكمن في إحساسه الخاص ان العفوية في كتابة النص الشعري هي أهم صفات ومقومات الشعر الصادق بحسب تعبيره فهو يعتبر ان العفوية هي السمة الأبرز في الشعر وكان ينتقد بعض مجايليه ممن يؤمنون بضرورة إجراء تعديلات على النص الشعري بعد كتابته بفترة طويلة اذ يرى ان هذه الممارسة تقتص من عفوية اللحظة الشعرية وخصوصيتها في تلك الفترة وحالة الشاعر النفسية أثناء كتابة النص لاول مرةغير ان عفوية بريفير عفوية مدروسة ومحسوبة بدقة عالية تصب في مصلحة النص وليست عفوية مفرطة انفلاتية تأخذ النص لمتاهات اغترابية تنهيه بغير ما ابتدأ بههي عفوية نظامية مدروسة تبدأ في جزيئات النص الأولية إن اقتطعناها وتتطور في السياق العام الشعري.ويستقي بريفير عفويته من استغلال الموروث الهائل للحياة الفرنسية المضطربة آنذاك فتراه يجتهد في اختيار موضوعة بسيطة ويفجر حولها اللغة مستفيدا من التلاعب بالحروف والجمل او بعض خصائص الجناس في اللغة الفرنسية محاولا تحقيق عنصر الصدمة والغرابة بأكثر الصور عفوية وبساطة.ومن الجدير بالملاحظة ان بريفير مارس الفن السينمائي حتى أواخر حياته كمؤلف وكاتب حوار ومساعد مخرج وقدم عددا من الأفلام الناجحة بالإضافة الى الكتابة المسرحية التي مارسها منذ مطلع الثلاثينات ألّـف خلالها مسرحيات جابت مسارح فرنسا وبعض المسارح الأوربية، وقد تركت الممارسة الكتابية في المسرح والسينما أثرا في تقنيات السرد الشعري عنده هذا الى جانب العمل الإخراجي كمساعد مخرج استفاد خلالها من تقنيات السينما والمسرح الكثير ووظفها بحرفنه داخل النص كالصور الفجائية السريعة في قصائده والمشابهه لحالة الصور الفلاشية السينمائيةاو خاصية العرض الصوري التدريجي والحوار وتقنياته المختلفة بالنسبة للمسرح.يغلف هذا كله الأداء الناقد الساخر المحتج دائماً البسيط / غير المصطنع واعادة النظر للحياة وتشكيلها من جديد بوجة نظره الشاهدة على الأحداث.يومية مواضيع بريفير مرتبطة بخيط رفيع بأفكار وقضايا عميقة وملتبسة وخطيرة اذ يستل من موضوعة يومية إشكالا يربطه بفكر او اعتقاد ونسق اجتماعي سائد وقد يستخدم نوعا من السرد الحكواتي في نصوصه فيما اسميه ( قصة شعرية ) لها بالطبع خصوصية الشعر الفرنسي والأجواء الكتابية السائدة آنذاك والتي ربما كانت تتقبل محاولاته في هذا الإطار.يظل جاك بريفير روح الطفل المحتجة على قبح الحياة وتناقضاتها المرة ، يظل الساخر أبدا من الطغاة والعتاة والمردة عبر التأريخ ، المنتصر للعمال والفقراء المعدمين على وجه الأرض حاملا روح الشعر العظيمة والفن المتفرد الخالص صادما الإنسان بمسلماته وثوابته مهزهزاً الأرض من تحته ومفجرا قناعته وممزقا ولأقنعته الخادعة.

السبت، ديسمبر 31، 2011

تأملية الحياة في "الحالم يستيقظ"

عمر الجفال

عن ملحق ادب وثقافة: جريدة الصباح العراقية

قد يبدو صدور مجموعة علي محمود خضيّر الشعريّة، (الحالم يستيقظ) مؤخراً عن دار الغاوون، متأخراً بعض الشيء إذا ما قُورِن بِصدورِ مجاميعِ جيله الشعريّة، لكن من ناحية أخرى، قد يُعطي هذا التأخّر بعض الشيء ميزة لخضيّر. وهذا بالضبط ما اختلف فيهِ منذ ظهوره، إذ طالما كان متأنٍ في نشرِ نتاجه الشعري، الذي يعدّ قليلاً!.

تأخذ مجموعة (الحالم يستيقظ) طبقات متعدّدة في القراءة، فخضيّر يلعب في مساحة شاسعة، وهي مساحة لم يدركها الكثير من أبناء جيله. يترتّب نص خضيّر على قرائتين قد لا تبدوان متوازيتان لكنّهما تشكّلان العلامة الفارقة في شعره، إذ أنه ينهض بالجملة البسيطة المُدرَكة من قبل المتلقي البسيط، وتحمل هذه الجملة شفافيّة كبيرة في لحظة التماس مع القارئ، لكنها –الجملة- تحمل في الوقت ذاته، قناعاً مغايراً في النبش، حيث أنها تحمل من الرفض الكثير:

(كان الليل ثقيلاً كسرٍّ قديم

يُلّحُ بأسئلةٍ لا جواب عليها(

وهذا المقطع، حين يُأخَذ مُنفَرِداً لا يعبّر عن القصيدة ككل –وهذا ما سنتطرّق إليه-، لأن القصيدة ترصد حول شخص يدور في المنزل، ويكتشف أشياء جديدة كأنه لم يراها من قبل، ويعامل أشياءً أخرى بغاية السذاجة، هذا الشخص، يتأمل الخارج بعين ثاقبة باحثاً عن أصغر التفاصيل، ويتأمل الداخل بعينٍ فاحصة، حتى ينقلب إلى جوانيّته، ويبدأ بنبش الأشياء الغير مرئيّة، الأشياء الأكثر فلسفيّة؛ من هنا، ينطلق علي محمود خضيّر في كتابةِ قصيدته. أغلب نصوصه تأمليّة ولا تسير ضمن تيار اليوم السائد في الشعر العراقي. اليوم العراقي ينفلت من قصائدِ خضيّر، وتبدأ القصيدة في البحثِ عن المهمل. ومِنَ المهملِ، تتشكّل قصيدة متأنية تتراكم فيها الصورة والسرد الشعري المقتضب.

لا يمكن تحديد مرجعيّة شعرية لخضيّر، لكنه، يختلف بشكل أو بآخر، عن أبناء جيله من ناحية توتّر القصيدة وتصاعدها. الشعر لديه لا يحمل توتراً بقدر ما يحمل تأنياً وتأملاً في الحياة واليوم.

قصيدة خضيّر، نابضة بالحياة. إذ أنه يكتب الحياة، لكن الحياة ليست من "الخارج" وإنما من "الداخل"، من داخل شرفة المنزل أو شبّاكه:

(ومَنْ يَدري أن لبركانه آيات في الأزقّة الضيّقة

والبيوت الواطئة،

آيات لا مرتلين لها ولا منصتين)

قصائد (الحالم يستيقظ) خرجت من عزلة الشاعر. الشاعر الذي يفتّش عن الشعرِ أينما حلّ وذهب. وهذا النوع من الشعر التأملي، ينحاز إلى الذات، إذ لا يجد موضوعات كثيرة غير الهواجس الداخلية ليتحدّث عنها ضمن نسقٍ شعريٍّ. لكن خضيّر قلب الموازنة، وبدأ بتركيب القصيدة من الخارج إلى الداخل، وأثبتت العزلة هذه المرّة أنها ليست (ذاتية)، وإنما خاضعة للآخر وللمهملات من الأشياء.

القصيدة، القصة، المسرح

منذ بداياته، كان يهتم علي محمود خضيّر، بخلق قصّة داخل القصيدة. وهذه القصّة على الرغم من أنها مموّهة، لكنها تستجلب نفسها وتفرضها داخل إطار القصيدة، قد تفتح بابها على الغموض أحياناً، وأحايين أُخرى تشرّع باب التأويل. هذه المزاوجة، بين الحكاية القصصية وبين القصيدة، دارت في أغلب مجموعة (الحالم يستيقظ) الشعرية، ولا تجد هذه المزاوجة في القصيدة القصيرة فحسب، بل أنها تمتد إلى القصائد الطويلة –نسبياً-.

علي محمود خضيّر حائك، وصانع ماهر، فهو، ينشغل بالقصيدة، والقصيدة عنده تأخذ ما تشاء من وقتها حتى تصبح ناضجة وجاهزة للتلقي.

وبالإضافة إلى القصّة، هناك حسّاً مسرحيّاً عالياً في قصيدة خضيّر، يظهر التصاعد الكبير –للإيقاع الشعري- من أوّلِ مفردة حتى آخرها، تمثل نهاية قصيدة خضيّر ذروة مشابهة للذروة المسرحية التي تنتهي معها الحكاية وتفتح مدينة التأويل أمام العقل ليدخل فيها.

في قصيدة (خيار خاسر) يبدأ الأمر هكذا:

(حدثتك مرّة

كل ليلة تصلح أن تكون الأخيرة وكل نهار يحمل بقلبه بذرة العدم).

وتنتهي بهذا الشكل:

(أقوال كثيرة وأحاديث

أحاديث ما كان لها أن تنتهي

طالما عذّبت المَلكَين وهما يعدّان رسائل الليلِ والنهارِ التي أدرت لها

ظهري

تعبا،

وتركاني هائماً في دروب لا تستحي

فهل سترحلُ أنت أيضاً؟

-...)

هذه –الذروة- التي انتهت اليها القصيدة، مشابهة جدّاً لمسرح العبث، لكنها شعرّية بقدر تداخل النص الشعري بالأجناس الأدبيّة الأخرى، وهذا بالضبط ما نظّر إليه الشعراء للوصول إلى "النص المفتوح" الذي يتسم "بالسرد" حتى يستوعب الأجناس الأدبيّة المتعدّدة. لكن في قصائد (الحالم يستيقظ)، اللغة اقتصادية –إذا جاز التعبير- والنص لا يمتلأ كلاماً، إنه مقتصد على القصيدةِ التي تحاول جاهدة أن تكون مثالاً مكتملاً عن الإيجاز الشعري في مرحلة التطوّر العصري الهائل الذي لا يتيح للقارئ كمّاً وقتيّاً لتأويلِ قصيدة طويلة تتداخل فيها أصوات وأحداث كثيرة.

نفي الذات

ذات الشاعر في (الحالم يستيقظ)، تبدأ من العنوان، فمنذ لحظة الاستيقاظ تكون ذات الشاعر قد "تشظّت" والتبست الجميع، على الرغم من أنها تعود إلى ذاتها عبر مرويّة الراوي الذي يتحدّث عن الشاعر وليس العكس. الشاعر هنا ليس راوياً بل مرويّاً. العنوان ذاته، يفتح دلالة على أن الحالم -الذي يأخذ بُعدَاً جمالياً- يستيقظ، واستيقاظ الحالم هو بمثابة صدمة تلقاها، هذه الصّدمة مثلت الحياة المتقلّبة، من هنا بالذات، تبدأ مرحلة النفي، وكأن الشاعر أيقظ الحالم ولم يستيقظ، لن يستوعب الشاعر "الاستفاقة" فجعل نفسه مَرويَّاً ليبقى في حلمهِ الطويل:

"أيُّ معنى من انتظار موت قادم لا محالة.

من اكتشاف أن يدك لا تُعينك على كتابة سطرٍ واحدٍ.

أو، من اشتياقٍ لا يُفضي إلا لوخزةٍ باردة أيسر صدرك".

وأعتقدُ أن ما سيمثل المرحلة القادمة من شعر علي محمود خضيّر، شعراً يقترب إلى المثاليّة في بناء المكان والحياة، الشعر الحالم بمثاليّة الكون والوجود، الشعر الزاخر بالحبِّ والتفاصيل الجميلة بَدلاً عن الخوف الذي يحيط العزلة والداخل والخارج وحتى جوانيّة المرء.

غزل خالٍ من الحرب

لقد أخذت الحروب المتوالية على العراق، تلتهم الجمال، حتى في الشعر أثبتت الحرب وجودها بجدارة، يكاد من النوادرِ، أن نجد شعر "حبٍّ عراقيٍّ" خالٍ من آثارِ الحرب. وهذا بالطبع ما يفرضه الواقع العراقي، لكن التملّص منه يعيق الحساسيّة الشعريّة عند الكثير من الشعراء، لذلك كان على الشاعر أن يخلق من كم الخراب الهائل نصوصاً شعريّةً جماليّة تنبذ الحرب.

عند علي محمود خضيّر، الأمر أخذ منحى آخر. ليس هناك سوى المحبِّ والأشياء المحيطة. الحرب غائبة، لكن الرفض متواجد بشدّة. هناك رفض يتوالد في قصيدة الحبِّ في (الحالم يستيقظ) ينبذ التعصب في المجتمع العراقي، وينبذ التقاليد السائدة:

(ستكلمينني عن أقراطكِ، عن الأب الصارم).

أو:

(وليس كأيّة امرأة، كانت تُجيد القول:

- الأمنيةُ.. عذابُ الروح.

- الألمُ أخرسُ ولا يحُسن النطق.

كنتُ أُدوِّن ما تهمسُ...، تدوينَ ملاكٍ يُصارعُ جحيمَه الخاصّة،

مثقلاً بذنوبِ غفلتِه، كنتُ أرقبُها تنوءُ بجرحها القديم، مخُفيةً -ما

استطاعت- حبَّاتٍ من دمعها الأسود، ينزلُ سريعاً، فتخذلُها المناديل).

إن الجيل الشعري العراقي الجديد -علي محمود خضيّر من البارزين فيه- يثبت تنوّعاً شعريّاً احتاجته الشعريّة العراقية في المرحلة الراهنة، ويمثل هذا التنوّع الفراغ الشعري الذي ولّدته الأجيال العراقية السابقة عِبر كتابتها لقصيدة تقترب في البناء والتصوّر -على الرغم من فردية الشاعر.

(الحالم يستيقظ)، باكورة خضيّر الشعريّة، ابتعدت عن الكثير من الانزلاقات التي تقع فيها الكتب الشعريّة التي تتسم بالقصيدة اليومية، وهذا ما يعطي للشاعر الحقّ بتأنيه في طباعة مجموعته الشعريّة الأولى.

حتى تجد خلوتك الدافئة

لن يهمَّكَ..

ستمشي في الشارعِ المكتظِّ وقتَ الغروب

وتحتدمُ بالحشودِ المربكة

الوجوهِ العجولةِ والوجوهِ الحائرة

ستنسى أنكَ نُسيتَ

وتوفرُ دموعكَ قليلاً،

قليلاً حتى تجدَ خلوتَكَ الدافئة

ستقولُ: لماذا؟

تسألُ عن الأسبابِ التي تجعلُ السكاكينَ تَخرقُ صدرك

وتَحزُّ رأسَ الصبر

....

.....

لن يهمَّكَ..

أن تبكيَ قليلاً الآن،

فقد هدَّ المساءُ انتظارَك

وخلوتَكَ السراب.

لا يهمُّكَ..

أن تفتحَ الهاتفَ المحمول

كلَّ هنيهة

تطالعُ ثقبَ روحِكَ الهائمة، وتكتم.

لا يهمُّكَ..

أن يراكَ فضوليٌّ عابرٌ،

أن يضحك.

أو أن تعثرَ بعلبِ الكولا الفارغة،

تعثرَ بالصوت.

الآن..

بعد نسيانِكَ، بعدَ البكاءِ القليل، الفضوليَّ العابر

والعثراتِ الصغيرة.

هل يهمُّكَ أن تَعرفَ أَنك منسيٌّ أو حاضرٌ؟

هل يهمُّكَ أن تُدركَ فداحةَ أن تبكي،

تدركَ المسافةَ بين الحُلم واليقظة،

تُدركَ الخسارة.

سيمرُّ الوقتُ ثقيلاً أو سريعاً

وستعرفُ أَنكَ، وحدكَ، صديقُ الانتظارِ المرّ.

الجمعة، ديسمبر 30، 2011

الحالم يستيقظ وتعدد البنيات الشعرية

زهير الجبوري

http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=13568جريدة الصباح العراقية

اشعر و أنا أقرأ قصائد الشاعر علي محمود خضير ، ان هناك جيلا باستطاعته الغور في ميدان التحديث الشعري بكل ثقة وبكل مهارة ، ومهما تعددت مسميات الاشتغال الشعري وفق تصنيف الاجيال ، فأن التجربة الشعرية العراقية ولادة لكل الاشكال.

غير ان جيل (ما بعد المحنة الاولى) في العراق ، استطاع ان يكشف عن ملامحه مؤخراً على يد شعراء شباب ، علي محمود خضير واحد منهم .. غير انه يحتاج الى استوقاف تأملي للتعامل مع شعره ، فهو يشتغل على تاريخانية واضحة بإنحيازه على مجموعة من ابناء جيله ، وحثّهم على التواصل ، مما يؤكد وعيه العميق في ذلك .. وقبل الدخول الى مجموعته الشعرية البكر (الحالم يستيقظ) ، لابد من الاشارة الى انه يغور في جدلية القصيدة الرؤيوية (الغربية) ودلالات الشعرية البودليرية التي تنفتح على شعرية الاشياء بذهنية لغوية واضحة ، لكنها –أي قصيدة علي محمود- لا تخلو من كونها ابنة الواقع.

(الحالم يستيقظ) ، مجموعة شعرية تستدعي قارئاً متأنياً ، فثمّة بناء لغوي .. وثمّة تشكلات صورية تكونت عبر علامات لغوية.. وثّمة لعب فني مقصود ، كل هذا احال له ان يقدم تجربته بالشكل الذي طرحه ، ولكن عليه ان ينفك من هذا التعميق الشعري المكثف ، لأن ما تخفيه جمله الشعرية من معنى ضامر، كفيلة من انسراحه بشكل آخر ، ولي في ذلك تطبيقات نقدية في قصائد المجموعة.

نلمس من خلال تفحصنا لقصائد المجموعة ان هناك بنى مكونة لشعرية تأملية ، البنى هذه بانت بقصدية البناء اللّغوي / الشعري، أهمها (بنية الأنا.. بنية الهاجس..بنية الآخر) ، كلّها شكلت تغريبية واضحة في الجملة الشعرية لديه..أرى بأنه –أي الشاعر- نجح في جعل القصيدة تنطلق من جوهر الذات ، وهذه تعتمد على إلهامية عالية ، حتى اننا نشعر أن شعرية الجمل في قصائد المجموعة أو غيرها من القصائد التي نشرها في أماكن متفرقة ، مستلة من عمق القصيدة ذات الطابع البنائي / الاسترخائي ، طابع غلب عليه اللّعب اللّغوي لتفعيل المخيلة التي تشكل صوراً شعرية ناضجة.

:(في الجانب التطبيقي)

صحيح ان قصائد (الحالم يستيقظ) كتبت بنمطية شعرية محدثة ، الاّ أن هناك شحنات بارزة وشاخصة انبثقت في شعرية الشاعر ، الشحنات تنصب في بوتقة الجمل الشعرية عبر علامات تعبيرية..

شحنات تناغمت مع الحس النفسي عبر دلالات هاجسية فاعلة ، او كما يقول (هربت ريد) (القصيدة هبوط في الطبقات النفسية العميقة) ، وقد اشرنا الى البنى المكونة المرسلة .. لكنها بنى استرخائية ، يكررها الشاعر دائماً على خلفية شروط القصيدة و متطلباتها الفنية .. نقرأ في قصيدة (كأن لا ليل قبله) كيفية استرسال الشاعر في خلق عبارات شعرية وفق اشتراطات البنى التي ذكرها:

كان يشعر بالوحشة ،

وحشة من يموت اللّيلة.

كأن جماعةً من الموتى او الملائكة

ينتظرونه كي يأخذوه معهم.

حيث لا رجعة أبداً . (ص7)

في المقطع هذا ، تظهر العبارات (يشعر بالوحشة .. وحشة من يموت .. كأن جماعة من الموتى حيث لا رجعة) ، وقد انطوت على عمق شعري للطبقات البنائية المنفتحة على الهواجس المتناظرة مع الحس السايكولوجي ، وهذا ما لمسناه في القصائد (وسواس .. تهذيب الألم .. حتى تجد خلوتك الدافئة .. طقوس العطشى .. وغيرها) ، مع اختلاف الموضوعة المطروحة وطريقة بنائها الفني في كل قصيدة.

في حين نجد في بعض القصائد هيمنة النسق النثري بمهارة البناء السردي ، الأمر الذي جعلنا على قناعة تامة بأن (علي محمود خضير) هائم في شعرية التحديث النثري ، فالمهارة في شعرية النثر ، هي المهارة في صلب المعنى الشعري ، حيث لا ايقاع الوزن ولا قافية البيت الشعري ، نقرأ في قصيدة (اذ تعكس الشمس احمر شفاهك):

(لنذهب جهة الشاطئ ، نحضن زرقته باحداقنا ، نكتري زورقاً ينتهي

بقلبينا المرتجفين لامواج تصخب . سنحيا كما نشاء اليوم.

كيف يقال الحب؟ أهمس .. تنصتين.

كم منك فيَّ؟ تهمسين .. أنصت) . ص41

أما في قصيدة (رسالة ستضلُّ عنوانها ايضاً) التي كتبت بـ(4) مقاطع ، نمسك خيوط الكتابة النثرية برؤى شعرية مختلفة بعض الشيء ، رؤى استدعت المخيلة لتشكل نصاً شعرياً بمهارة لغوية اخرى ، فقد مازجت بين (انا الشاعر.. و بنية الاخر المقصود)، ففي المقطعين الاول و الثاني نقرأ العبارة (اتذكر الآن بلحظة شاردة هبطت عليّ فجأة) و (أتذكر اني سألتها مرة) ، لكن المقطعين الاخرين تمازج فيهما الحس الهاجسي بلغة مجازية واضحة:

المقطع (3) : صرت مجذافاً كلما صارت زورقاً، و شارعاً كلما ازدحمت بالاخرين . ص46

المقطع (4) : لكي ان تعيشي كما ترغبين .. ولي ان احلم . ص46

كل مقاطع القصيدة ، كشفت عن بنية تكثيفية وما اراده الشاعر هو الابانة عن قدرته في تعددية البناء الشعري المتداخل مع صلب الموضوع و قصديته في المعنى..

من جهة اخرى ، قرأنا في المجموعة بعض القصائد المقطعية المكثفة ، وهي تقترب الى ما يسمى بـ(الضربة الشعرية) ، كما في (طقوس العطشى .. كما تدخل شارعاً بالخطا.. أوزار المعنى .. افتراضات .. كلاكيت.. امنية .. اوان) ، حيث الانسراح الشعري بطريقة بنائية مكتملة ، قسم منها كتبت بطريقة (قصيدة الومضة).

في قصيدة (امنية) تتماهى اللغة الشعرية باكتمال لغتها التكثيفية (كم تمنيت، وانا اسلم نفسي كلّ ليلة الى تمرين الموت ، الاّ استيقظ ثانية) ص58 ، وهكذا في النصوص الاخرى حيث القدرة والتنوع على كتابة نص شعري او قصيدة شعرية لها ابعادها الدلالية الناضجة من كافة الجوانب.

في تجربة (الحالم يستيقظ) ، فتح علي محمود خضير نافذة الدخول الى ميدان الشعر المرسل بتروٍ و تأنٍ ، غير اني ادعوه الى فكل انشداده داخل قصائده ، وهذه العملية واضحة لدى القارئ ، ومع مرور تجربته ســيقف على بعض النقاط التي تدله الى فتح شفرات جديدة في كتابته الشعرية..

احســب انه وريث السلالة البصرية التي افاضت الكثير في الشــــعرية العراقية على يد شعراء كبار.

طاقة الحب

علي محمود خضير



لا يمكننا أن نفهم من أين يأتي هذا الملاك النبيل بكل تلك السلطة الودودة!
الحبُ، هذا الملاك الذي يفرض صداقته بسلطة ودودة تناغي كل تفاصيل حياتنا فتجملها وتجعلها تسمو بذاتها حتى وان كانت تعاني حالات بؤسٍ وانكسار، ربما من النادر أن تكون السلطة ودودة، الأمر هنا مختلفٌ مع هذا الملاك الذي خَسِرنا كثيراً لأننا لم نحترم وجوده في حياتنا.
هل هناك مفاجأة إذا قلت ان هزائمنا وانكساراتنا وقسم فاجع من مشاكل مجتمعاتنا المعقدة من أسبابه إننا لا نحب بشكل جيد، أو ربما لا نعرف ان نحب! نعم بهذه البساطة، ولكن، ما هو الحب الذي أتحدث عنه الآن؟
ربما يكون الحب غائباً أو مغيباً كطاقة كامنة فعالة تحركنا وربما لا يكون موجوداً إلا بالمعنى الجسدي في اللحظات الحميمة رغم انها لا تعبر بالضرورة عن لحظات حب، نحن بحاجة إلى بحث وتفسير غيابه الفعلي –كواقع- رغم حضوره الساطع –كافتراض- في أدبنا وخطبنا ورميم كلامنا اليومي المستهلك.
من المهم الإشارة ان العاطفة التي اقصدها ليست نفسها التي تقود إلى الضعف، هناك عاطفة (ضيقة) تقود وتقيد الإنسان وتحيله ضعيفاً منكسراً لا يتصور الحياة إلا بمقدار ارتباطها بحبيبه ( الآخر) ومناخ التغيرات التي تحدث بينهما ( كأن العالم لا شيء سواهما) هنا تصبح العاطفة طاقة سلبية ومصدر ضعف في ذات الإنسان وهي ليست أيضاً العاطفة الساذجة التي هي سمة بارزة يلعب عليها تجار العواطف والرموز لتحقيق مكاسبهم في اللعب على قلوب متيمي الرمز بمختلف وجوهه الدينية والعرقية والسياسية.

اعرفُ ان الحب لا يعيش في أي بيئة، وان هناك نفوساً بور تستأثم الحب وتمارسه كأداة ترهيب وخديعة، تخاف منه وتقمعه، ولا تتورع في أن تستخدمه ابتزازاً ضد تلك النفوس الغير محصنة.


هل لنا أن نتخيل فقط كيف ستكون ملامح مجتمعاتنا وطريقة حياتنا بدون أن نحب؟ لقد جربنا ذلك فعلياً في السنوات المجنونة السابقة فقد كانت سنوات كراهية بامتياز، سنوات استيقظت فيها الوحوش الكامنة داخل صدورنا فعاثت في تفاصيلنا موتاً وتهجيراً واعتداءاً.
الحب فعل إنساني خيّر يشمل كل حركات الإنسان وسكناته، تفكيره وسلوكه ليس فقط رسائل عاطفية بائته في الجوالات أو ورود اصطناعية بلا روح.
الحب أن نقرأ قصيدة جميلة أو رواية جيدة ونعترف لصاحبها بأنها قصيدة جميلة ورواية جيدة!
الحب أن نسمح للمجنون بالعيش دون أن نقلق مملكته باستفزازنا وسخريتنا وجنوننا الضدي!
الحب ان نحترم الكنيسة والمندي كما نحترم المسجد والحُسينية. فعلاً وسلوكاً لا قولاً وشعاراً، هذه ببساطة بعض الأسئلة التي يجب ان نقف عندها في ذكرى عيد الحب الذي تجاهلنا وجوده -كالعادة- إمعاناً في تهميش الأعياد الايجابية!
المهم ان يتحول الحب كشعور داخلي إلى سلوك ايجابي واقعي في الحياة، إلى طاقة تَفعل لأنها تُحب لا تنتظر شيئاً من احد ولا تستسلم لمنغصات الوجود وبيانات نقضه.

وسواس

لا معنى لهذا الوسواسِ غيرُ احتراقِ اليابسِ والأخضر من شجرةِ العمر.

كما تُقبِلُ على بيوتٍ متشابهةٍ فتتداخلُ عليكَ أبوابُها وروائحُ ساكنيها

وأيُّ معنىً لاختلاسكَ لحظةَ استرخاءٍ بينَ ساعاتٍ طوال وأنتَ تصكُّ على أسنانكَ ورأسكَ.

ايُّ معنىً من انتظارِ موتٍ قادمٍ لا محالة.

من اكتشافِ أن يَدكَ لا تُعينكَ على كتابةِ سطرٍ واحدٍ.

أو، من اشتياقٍٍ لا يُفضي إلا لوخزةٍ باردةٍ أيسرَ صَدرِكَ.

ومُذ كانَ الموتُ ديناصوراً لا يطلعُ إلا من كتبٍ بأغلفةٍ خضراءَ، ويرتمي بهيئةِ تابوتٍ على رصيفٍ ضيق، كنتَ يَومها طِفلاً كاملَ الجهالةِ وكانَ رُعبُكَ دينارُ ذهبٍ في صرّةِ بخيل.

وأنتَ، عبدُ الغدِ

نسّاءُ الأمسِ

كافرُ اللحظةِ

يا من تستدعي أشباحَكَ واحداً بَعدَ واحدٍ لتفرشَ بِهم ليلَكَ. وتجرُّ غَدَكَ بوسواسِ أمسِكَ. قديمةٌ نُدُوبُكَ وساخنةٌ.

فكابُوسُكَ الطفلُ لازالَ يشربُكَ على عجالةٍ منذُ عشرينَ أو أقلّ، يشربُكَ ثم يُعيدُكَ إلى الكأسِ نفسها وهو يَضحك.

وخيبتُكَ عينُ أعمى صَدّقَ بِوعدِ ظلمةٍ أسرّتهُ بفرارِها فأَمِن، ليفتحَ عينَهُ على ظلمةٍ.

كخيبةِ طفلٍ يلهو بطينٍ لن يصيرَ تمثالاً مهما دَعَكهُ وتمنّى.

قديمةٌ نُدُوبُكَ وساخنةٌ.

وأنتَ، قفّاءُ آثارِ الغائبين

الراحلونَ إلى الهناك

لا فيء في قوادمِ أيامكَ

فلا تهدرْ منَ الهنا الكثير

وتَوَقَّ.

أما رعبُكَ فحياتُكَ.

توأما حزنٍ لن يفترقا حتى يعبرا الممرَّ الأخيرَ.

وأمّا أنتَ فحيرةُ طفلٍ أمامَ بيوتٍ متشابهةٍ،

شجرةٌ كسلانةٌ يَحترقُ فيها اليابسُ والأخضر

وتعبثُ الريحُ بثقوبها دون معنى.