الأربعاء، يناير 04، 2012

وسواس الحيرة واللا معنى

جريدة الصباح

سلمان خضر


خطوة تستحق الثناء ما قام به مؤخراً بيت الشعر العراقي في فعاليته السادسة بتقديم ابرز التجارب الشعرية ما بعد نيسان العام 2003 مخصصاً لهم عدداً من الدراسات النقدية إضافة إلى قراءات شعرية للمحتفى بهم

كذلك خصص الإخوة في القسم الثقافي لجريدة الصباح ملحق ( أدب وثقافة) العدد ( 1808 ) إلى الفعالية المذكورة ليمنح فرصة لمن فاته الحضور والاطلاع المتأني ان يقرأ ويتعرف على جزء بسيط من تجارب الشعراء والشاعرات الجدد.
جيل جديد يحلم بوعي، مؤمن ومتواضع يعيد لنا التفاؤل ان الشعر العراقي بنموذجه المشرق موجود ويزدهر ، ليس كما يحاول البعض ان يبثوا روح اليأس والركون إلى التسليم بموت الفنون بما فيها الشعر.
الملحق الثقافي الصادر بتاريخ 28 تشرين الأول 2009 تضمن نماذج من نصوص الشعراء والشاعرات المشاركين في الاصبوحة، لفت نظري بينها نص شعري ذو طابع خاص ولغة متميزة ، قصيدة ( وسواس ) للشاعر الشاب علي محمود خضير التي وددت ان أتناولها عبر هذه المساحة الصغيرة.
من السهل لقارئ الشعر المتابع ان يمسك في هذا القصيدة جهداً واضحاً ومؤثراً في صياغة بنية وتخطيط دقيق للنص الشعري الحديث، النص متماسك متسلسل يجر بعضه بعضا منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير ، رسم خيال الشاعر فيه صوراً لرعب وسواسه وتجول بخياله في أرجاء كابوسه بنشاط مخيلة صورية مدهشة، سنجد ان الشعر قد تخلى عن أغراضه المستهلكة ليتحول إلى أداة معرفة وفكر وتساؤل ومساءلة ، مساءلة عن مواطن الإخفاق والنجاح عن الهزيمة والذكرى والطفولة الجاهلة.
القصيدة تتراوح بين استخدام السطر الطويل الذي طغى على أكثر أجزاء النص وبين استخدام الأسطر المقطعة، مستخدماُ لغة سلسة أخاذة لا زوائد ترهقها ولا زخرف يشوشها، نجد فيها أيضاً غياب الغنائية والخطابية وتحولا نحو البوح الهادئ خفيف النبرة وكأنه يصدر عن نفس قلقة منهمكة بمعالجة التحولات السريعة والمتناقضة أحيانا للذات ومحاوراتها بتأمل مسترسل. يبدأ الشاعر النص بنتيجة مبدئية لثيمة الوسواس المريرة:

لا معنى لهذا الوسواسِ غير احتراق اليابس والأخضر من شجرة العمر.
كما تقبل على بيوت متشابهه فتتداخل عليك أبوابها وروائح ساكنيها

اللا جدوى واللا معنى أذن نتيجة محزنة ومخيبة تواجهها الذات الشاعرة بشيء من العبثية يظهر في أماكن لاحقة من النص، ليشرع بعدها بسرد حالات وصفية نفسية وذهنية تتضمن حالة القلق والاضطراب مستفسراً عن المغزى من ورائها، المغزى الذي يحير الإنسان ويعذبه وهو يجد نفسه تحت تأثير قوة خفية تسلبه صفو حياته وراحتها ، سؤال فوضوي لكنه جاد ومربك:


وأي معنى لاختلاسك لحظةَ استرخاء بين ساعات طوال وأنتَ تصّك على أسنانك ورأسك.
أي معنى من انتظار موت قادم لا محالةَ.
من اكتشـاف أن يدك لا تعينك على كتابة سطر واحد.
أو، من اشتياق لا يفضي إلا لوخزة باردة أيسـر صدرك.


ينتقل بعدها الشاعر إلى منطقة خصبة يعزى لها تشكل الرعب والوسواس ، الطفولة، المنطقة التي ينشأ فيها نسيج الإنسان وتكوينه الفكري والجسدي ، ليناقش الشاعر مع ذاته التي يُسائلها ويختصم معها ويجادلها على حيثيات تلك المنطقة البعيدة المجهولة في حوار داخلي تنقسم فيه الأنا وتتداخل ، ينتقد فيها حالة الرضوخ والاستسلام لمكامن الرعب وبواعثه ويمتعض من تمظهراته التي تطغى على سلوكيات الإنسان وتفسد عليه راحة العيش، الخوف والرعب والوسواس الذي صار سمة بارزة في حياة الإنسان الحديث المحاط بمخاطر لا تنتهي تهدده ، حروب، أوبئة، قلق اقتصادي ...الخ ، الخوف بمعناه المطلق والذي يعالجه النص محاولاً المضي الى ابعد نقطة ، النص يقول ولا يقول ، يوحي ويتراجع ، يجزم ويشكك، وهذا كلّه من التقنيات المميزة في النص الحديث التي استثمرها الشاعر بذكاء، في مقطع مؤثر يخاطب ذاته الموسوسة:


وأنت ، عبد الغد
نسّاء الأمس

كافر اللحظة


ثم يتواصل السرد ويتعالى بقطعة من أجمل ما في القصيدة ، مستعيداُ مرة ثانية أغوار الطفولة ، مستخدما تقنية الصور المركبة ذات السطر الطويل، سطر متماسك لا تكاد تجد فيه كلمة تشذ أو تنقص ، يتخذ فيها الكابوس صوره مرعبة ،ساخرة من الذات الضعيفة ، تجتمع في القطعة مشاعر الخيبة العميقة بشيء من الرثاء:

يا من تستدعي أشباحك واحداً بعد واحد لتفرش بِهم لـيلـك. وتجر غـدك بوسواس امسك. قديمةٌ ندوبك وساخنة.
فكابوسكَ الطفل مازال يشربك على عجالة منذ عشرينَ أو اقل، يشربكَ ثم يعيدك إلى الكأس نفسه وهو يَضحك.
وخيبتك عين أعمى صدق بِوعدِ ظلمة ظالمة أسرّته بفرارها فأمن ، ليفتحَ عينه على ظلمة.
كخيبة طفل يلهو بطينٍ لن يصير تمثالاً مهما دعكه وتـمنى.
قديمة ندوبك وساخنةٌ.


يختتم بعدها الشاعر نصه بتدريج تنازلي محسوب وفق فيه إلى حد بعيد ، ليصل لنفس النتيجة التي ابتدأ فيها، اللا معنى الذي سيظل يصفع الإنسان كلما واجه أمرا عصياً على عقله وكيانه، الرؤى والأفكار التي تنمو وتشتبك في المشهد المحكي تؤجج أسئلة عدة ملتبسة تتعقد لتنفك فيما بعد وتنتهي إلى لا شيء! ربما من اشارات النص أيضا فكرة المعنى واللا معنى التي تبدأ بأبسط الأشياء من حولنا ولا تنتهي بالأسئلة العميقة المزعزعة والمرعبة عن معنى الحياة والوجود.
نص يعبر عن تجربة طيبة وثقافة عصرية ووعي يجعلنا نؤشر لهذا الشاعر الشاب إعجابا وأملاً معقوداً بصياغة مشروعه وفتح مناطق جديدة للقصيدة العراقية الحديثة، قصيدة المعنى والمعرفة والأسئلة ، القصيدة التي تتوغل داخل أعماقنا لتتركنا مذهولين وترحل فجأة.

رابط المقال

http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=93429

الثلاثاء، يناير 03، 2012

عن الحالم اذا أستيقظ..

غلاف كتاب الحالم يستيقظ

http://www.newsabah.com/templates/images/spacer.gif


حسام السّراي

جريدة الأخبار اللبنانية

http://www.newsabah.com/templates/images/spacer.gif

في مجموعته البكر الصادرة عن دار الغاوون "الحالم يستيقظ"، يضعنا الشاعر العراقيّ علي محمود خضيّر (تولد 1983) بمواجهة عالمه المزدحم بالإنهيارات وبشعوره الدائم بالقلق من قادمات الأيّام، كيف لا وهو يلخّص حال المتورط في وحشة الحياة: "كأنّ جماعة من الموتى أو الملائكة/ ينتظرونه كي يأخذوه معهم/ حيث لارجعة أبداً".

إنّنا أمام تجربة شعريّة عراقيّة تطرح نفسها بعد نيسان 2003، تجربة عاش صاحبها طفولته على وقع مدافع الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وشهد حصار التسعينات، ليكتب قصائده وهو يستجمع كلّ ما عاينه من خراب، باحثاً عن ملاذ يفتقده كلّ من "رأى الشمس تخفقُ مشنوقة ً بحبلِ العاصفة".

دخول الشاعر في حوار مع ذاته، يستلزم أسئلة تنبش في وجوده وحاضره ومستقبله:" كم ثعباناً في قميصك أيّها القدر؟/كم سكيناً خلف ظهرك أيّها الغد؟

في نصّه "وسواس" يقترب من سؤال أكثر ايلاماً وعمقاً، انّه تأرجح الإنسان بين حياة يحاصرها "احتراق الأخضر واليابس من العمر" وبين "موت بهيئة ديناصور لايطلع إلا من أغلفة الكتب"، ليأتي الاستفهام وهو يحمل روح الشاعر العدميّة :"أيُّ معنى من انتظار موتٍ قادم لامحالة؟"

واذا كان بورخس قد تحدّث ذات مرّة في كتابه "صنعة الشعر" عن الكيفية التي يرفع بها السياق ويسمو بجملة ما الى مرتبة الشعر، لذا فانّ الشاعر البصريّ وفي مقطع من "تهذيب الألم"، يهدينا سياق نصّه هذا إلى أن نقول انّه شعر يأخذنا الى مساحة متأمّله:"أفكـّر كيف أنّ أحزان الآخرين، دموعهم وخذلاناتهم المُرّة لاتُعير اكتراثاً لأحد. ترقد منسية ً ومُهملة ًكإطارٍ على الطريق السريع".

ويعود في نصّه "وهي تتحوّل الى ملاك" الى مساءلة اليوميّ الذي لم يكن عابراً، تبعات الوجود الأميركيّ في العراق وما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان، لتجد لها مكاناً في شعره، .. "بماذا فكـّر رجال المارينز قبل أن يقتحموا عليها الدار/ ماذا سيقولون للربّ؟

أنثى علي محمود خضيّر لايحاكيها بالمألوفيّة التي أدمن من خلالها العشّاق مضغ المفردات العابرة، "وقفتُ في منتصفِ الطريق/ على صدري/ بقايا زفيرِكِ قبل أن تـُعيرني للأسى/ وفي يدي لبقايا يدَيكِ، حنين...".

لكنّ أحلامه "المحاصرة" وان استيقظ منها هنا وهناك، يبدو إنّها ملازمة لكلّ تجربته الحياتية لتكون خلاصه الشخصيّ في النهاية...يكتب لمن يعنيها بحبّه وهيامه:" لك ِ أن تعيشي كما ترغبين.. ولي أن أحلم".

انّ استغراق الشاعر ومبالغته في الحلم، تأتي لتكون هروباً من الواقع أو محاولة لصدّ الخسارات التي يجلبها للإنسان، فهو يعبّر على هذا الواقع الذي يعاشر فيه أطفال الشوارع- من ضحايا العسكرة العراقيّة المستمرّة- ألعاباً من البنادق والمسدسات، فرحين بتقليدهم لما يشاهدونه في الفضاء العام، بينما يتجاوز خضيّر كلّ ذلك، واضعاً حلمه في صدر الصفحة التي تصارع هكذا مفارقات مؤلمة ، فهو نبوءته التي لايملك غيرها:"سيملؤون كراريسهم بالياسمين/ لامدافع ولافوّهاتِ بنادق".

ومثلما يسعى الشاعر في أكثر من مكان الى ايجاد حل للخلاص ممّا يجتاحه وبلاده:"حتّى أتّقي هُزء المزنجرات وصياح بنادق ملثّمة/أصمّ أذني بجمرةٍ سافرةٍ". فإنّه وفي نصّ "اذ تعكس الشمسُ أحمرَ شفاهك..."، يستعين باستشراف مستقبل ثانٍ "تصافح فيه النسمات جديلة حبيبته العابثة"، بينما الجو مشحون بأنباء عن فرق تتناحر وبيارق تهتزّ وما جرّتنا اليه الويلات المتعدّدة، وكأنّه يقول للحرب:" حلمي هو سخريتي الوحيدة منك وممّا نشهده".

مفردة "الموت" تكرّرت في مجموعة "الحالم يستيقظ" في أكثر من نصّ، مرّة تأتي خلاصاً من خراب المحيط المعاش، وثانية يأساً واستسلاماً من لدن فنّان تعذبت روحه من تلاشي ماحوله، وثالثة تصير فيها كلّ الحتوف التي مرّت "محض لعبة" ليس إلا!

وإذا ماكانت هذه المجموعة هي تجربة "خضيّر" الأولى، فإنّها بداية موفقة لشاعر تأنّى كثيراً على ما يظهر في اصدار نتاجه، حينما نقارنه بالتجارب البكر لمجايليه من الشعراء الشباب، حرص فيها على أن تكون قصيدته مجالاً للبحث فيما وراء المعنى للدخول الى عوالمه والتمعّن في قناعاته التي يسردها الينا شعرا خالصاًً بصوت هامس وبلغة بعيدة عن التعقيد، لكنّها في ذات الوقت لغة يريد لها شاعرها أن ترتقي بنصّه المكتوب.


تهذيب الألم

ليسَ من أجلي أنهضُ كلَّ صباحٍ بصوتٍ يتكسرُ

وحلمٍ يصدأُ.

ليسَ من أجلي أجولُ كلَّ يومٍ الأرصفةَ ذاتَها.

ضاحكاً من كتابةِ ذكرى، مؤجلاً غَدِي برعبِ يومي.

متوثِّبٌ للنسيان. مخلصٌ للسهو

أسهو عن مخاذلِ العيش

عن الأصدقاءِ وهم يكذبون

عن جثةٍ -هي الحقيقةُ- تبلغُها فتموتُ بين يديكَ

عن رِعدَةٍ تجيءُ وتنسلُّ دونَ اكتراثِ أحد

عن ظلٍّ زائفٍ وشعوبٍ بآجالٍ ورقية

عن الخيانات

عن أطفالٍ يموتونَ قبلَ أن يُدركوا الرمق

وعن شتلةِ المطاطِ تموتُ في الزاويةِ رغماً عني

....

ليس من أجلي

أرصفُ أيامي لأنساها

لأستقبل أياماً قديمةً، كي أنساها مرةً بعدَ مرة

أنا الذي أُريقُ عمري باحثاً عن عينٍ نظيفةٍ وقلبٍ طفلٍ

عن أجسادٍ من الضوء وملائكةٍ ممكنين

عن جدرانٍ بلا لافتاتٍ ورفقةٍ لا يضعون أقنعة.

من أجلهم،

الساهون عن الحياةِ بالحياةِ

ناكثو العُهود، خبّازو الأفئدة

أنهضُ كلَّ صباحٍ بصوتٍ يتكسَّرُ وحلمٍ يصدأ

واضعاً رهاني كي أخسرَهُ

أضعهُ وأعلمُ بتصدعِ الروحِ وهشاشةِ الشكوى

باللذاتِ التي خسرِناها وتلكَ التي تنتظر

بأرباحِنا المختنقةِ، بأصابعِ القدر

...

ليس من أجلهم

ولا من أجلي

أجلسُ كلَّ مساء

أفكرُ كيفَ أنَّ أحزانَ الآخرين، دموعَهُم وخذلاناتهِم المُرّةَ لا تُعير اكتراثاً لأحد.

ترقُدُ منسيةً ومُهملةً، كإطارٍ على الطريقِ السريع.

الحالم يستيقظ...احمد عبد الحسين



أحمد عبد الحسين

هذا شعر هو محض تأمل بعينَيْ الأسى، لوحة كابية لعالمٍ لم يترك لأحد فسحةً لمديحه، نعذر الشاعر أنه لم يرَ في عالمه ما يستحقّ الاحتفاء به، حتى ولا ذاته التي "ليس من أجلها ينهض كلّ صباح، ويجول الأرصفة ذاتها، ويرصف أياماً لينساها"، وكيف يمكن للذات أن تحتفي بنفسها وشؤونها حين الأشياء، كلّ الأشياء، ليست له: "ليستْ لي هذه المكتنزة بالمسرّة.......، ليست لي هذه الضحكة خلف الباب..".
ليس الشعر شأناً لغوياً محضاً، هذا مؤكد، مرّ زمانٌ على الشعر العراقيّ كان الشعر فيه بهارج وزخارف وانتشاء حدّ الذروة أمام صورة الذات في المرآة، لكن الحفلة انتهتْ بلحظة الحقيقة: ان كلّ فرح بالأنا فرح كذوب مادام العالم كما نرى أطلالاً وأنقاضاً، فليست الذات سوى رحلتها في الأشياء، ومرورها في المسارب اليومية التي تنشئ العالم من حولنا، وما دامت زاويتك التي تقطنها في هذا العالم مظلمة فلن يكون لذاتك نور.
مقدّر على شاعرٍ يسكن هذا التوتّر بين أنا تطلب على الدوام تبجيلاً ذاتياً من لدن شاعرها، وعالمٍ تتناقص فيه باضطراد الرهانات الدالّة على استحقاقه أن يكون عالماً، مقدّر عليه أن يكون "ملاكاً يصارع جحيمه الخاصّة، مثقلاً بذنوب غفلته".
الآخرون هم الجحيم؟ قديمة ولا تنفع لتوصيف ما نحن فيه، الجحيم الحقيقيّ يكمن في ان الآخرين هم الذات، أصبحوا فينا، صاروا "نحن" وها هم يزاحمون سلطان الشاعر على ذاته: " كلّ ليلة، يعوون في صدري كعاصفةٍ نسيتْ أن تهدأ". وليس صدفة أن عنوان أبرز قصائد الشاعر "مثقل بالغائبين".
الشعر المتطلّع إلى خارج تخوم الأنا هو أقدر على قول أنا الشاعر، هذه من مفارقات الشعر، فما من شاعر فارق بداياته إلا وأيقن ان الطريق إلى أناه يمرّ عبر الآخرين، كما الجنة تمرّ عبر جهنمات كثيرة، لكن دروب العالم التي نسلكها ستسلب منا هناءاتنا القديمة، أوهامنا عن ذواتنا، ولحظات الذكرى التي هي لحظات الفرح الوحيدة المتاحة:
الصبيةُ الذين افترشوا طفولتي
أخذوا كلّ مهارات الفرح في قلبي
أٌقفلوه
وتناهبوا المفتاح.
كنت أكتب عن علي محمود خضير مقالاً هو فصل من كتابٍ، فوجدتٌ نفسي أمام ديوانه "الحالم يستيقظ" الصادر عن دار "الغاوون"، غير قادر على تأجيل هذه الرغبة في الاحتفاء به سريعاً في عمودٍ عجول. لعلها الرغبة التي تؤاتينا في إظهار محبتنا، أو لعلها المعادل الكتابي للتصفيق أو لإبداء الإعجاب. أو كلمة من فرد في قبيلة ستنقرض هي ولغتها وعاداتها وتقاليدها يوجهها إلى أخيه: انني أفهم لغتك، فلعلّ في ذلك عزاء.


جريدة الصباح العراقية

24/04/2011

قصيدة ما بعد 2003 .. حجر السؤال في ماء الاجوبة الراكدة

التباس الهوية الشعرية وضبابيتها لا يمكن فصله عن ضبابيه المرحلة العراقية ذاتها، مجهوليتها الشاسعة
واضطراب لحظاتها المتلاحقة. عمل الشاعر اليوم كما يُخيّل لي يشابه من يعمل في حقل الألغام، تلك المهمة الدقيقة التي مهما اجتهد الخبير ودقق في تفاصيلها يبقى عمله مشدوداً لرعب انفجار مفاجئ يحيل جهده إلى ركام في لحظة واحدة. ولا اقصد هنا حياة الشاعر بل المتغيرات الانفعالية التي تصب لاحقاً في تكوين القصيدة لديه. بمعنى ان تلاحق الأحداث ولا عقلانيتها يفسد أي بناء افتراضي يعده الشاعر. المتغيرات السياسية والاجتماعية حدث وركن من مجموعة أحداث وأركان، غير ان القصيدة تحتاج إلى منابع/عوامل اكبر وأعمق ( رؤى، تأريخ ، ذكريات، موروث، عوامل نفسية....الخ) تتداخل وتتكامل فيما بينها لإنتاج النص.

اعتقد إن شعراء ما بعد 2003 استفادوا من سقطات الشعرية العراقية على مدى التأريخ السابق، حين كان الشعر أداة بيد الفكر المغلق على نفسه، الفكر الشمولي والأيدلوجي. شعر هذه المرحلة -في بعض نماذجه القليلة المضيئة- يتجه إلى الكتابة من اجل الشعر نفسه، غاية بحد ذاتها، ساعياً إلى استحكام صوته وتأصيل (شخصيته) بتجريب فنون كتابية مختلفة وتداولها والخلط بينها. هناك مزيج متداخل من المعرفة والتأمل والحدث اليومي العادي والفلسفة والموروث. القصيدة تنزع ثوب الخطاب المباشر السمج إلى مساحات الأسئلة الملتبسة، هذه الأسئلة ليست اغتراباً عن الواقع بقدر ما هي كرسي محاكمة لمكونات النفس البشرية ومسائلتها على ما آل إليه الواقع من دمار، هو نموذج غير معتاد على شعريتنا التي اعتادت على قلب الهزائم الكبيرة انجازات وهمية خالدة

.
الجيل يحتاج إلى فتح مصاريع التجريب الواعي الذي يجب أن يتلائم مع لحظة الانفجار الكبرى (2003).
يحتاج إلى بعض الجرأة والمغامرة والكثير من الجهد للفكاك من السقوط في مطب حداثة مفتعلة أو
استنساخ تجارب ( داخلية أو إقليمية) وان يجتاز المأساة بوقعها الآني إخلاصاً الى ان تكون كلمة الشعر صافية بعيدة عن انفعال اللحظة الشاردة.

لا يمكن لهوية الشعر ان تكون كاملة ونهائية. الشعر رحلة مفتوحة إلى المجهول، إلى الكشف الدائم عن مناطق كتابية ممكنة. إضافة لذلك، ان تجارب هذا الجيل لم تكتمل وتتخذ مشاريعها النهائية بعد، لذا من الصعب تحديد ملامح هوية القصيدة الآن. نحتاج إلى الابتعاد بمسافة زمنية كافية ستتكفل بالإجابة. يبقى الموضوع برمته بحاجة لدراسة أعمق. لكني مطمئن ان مدرسة شعرية عراقية تتكون وتحتاج إلى جهد نقدي يواكبها



كتب جواباً على تحقيق صحفي اجراه الكاتب علي عبد السادة في جريدة المدى بخصوص قصيدة ما بعد 2003.

ثقافة الإلغاء


(1)

لن أكون مبالغاً إذا قلتُ إن نصوص الثقافة العراقية اليوم، بشكلها الظاهر الطافي على السطح هي نصوص إلغاء وإقصاء، وان الغالبية منها طروحات وأفكار الغائية – اقصائية تحمل عداءاً وكرهاً للآخر وهو، بالطبع، من تتبناه عدواً لها. وفي الغالب أيضاً تكون هذه النصوص - استثني الابداعية منها- ذات بنية أيدلوجية سياسية تحاكم أعدائها دون أن تفتح في الثقافة مدى لسؤال جديد أو تقترح فكر خلاق أو تطرح معالجات للواقع الذي يكابده المجتمع. إنها ثقافة انغلاق أكثر من كونها ثقافة انفتاح. ثقافة تتبنى الكذب والكراهية والنفاق بدلاً من الصدق والحب والحقيقة. بمعنى أخر هي ثقافة ضد الثقافة.

(2)

جلّ ما تحاول أن تقوله هذه النصوص: أنا الحق والجميع باطل، أنا الصدق والجميع يكذبون، أنا سبيل الخلاص والآخرون الهلاك. الفكر الالغائي هذا غالباً ما يعتمد في إثبات أحقيته في التفرد في المشهد على طرق (وضعية) يقترحها هو وفق أيدلوجيته الخاصة الضيقة وخارج مفهوم حوار الفكر المفتوح على الرأي والرأي الآخر، انه يغتصب حق الآخر ويصادره. وهي ثقافة دكتاتورية التطبيق إذ تفرض تفسيرها الأوحد للأمور ولا تحتمل تفسيراً يوازيها أو يتقاطع معها.ونبدو نحن كمتابعين لهذه النصوص في موقف المتفرج المحتار الذي لا يمكنه أن يؤمن أن أراء الفرقاء في بعضهم نابعة من منطلق موضوعي ومنطق حيادي.

(3)

المحزن في الأمر أن تكون هذه المفاهيم هي المفاهيم السائدة وان تكون هذه الأصوات هي العالية فيكون مشهدنا مختنق بثقافة الحرب والاحتراب.كم من ترسبات الحروب التي عاشها العراق لا زالت تُحرك هؤلاء؟، وما ظننا إذن بباقي شرائح المجتمع ذات الأفق المعرفي الأدنى إذا كانت ثقافة ( النخبة ) بهذا المستوى؟.

(4)

أكثر ما يلفت النظر في النصوص المتحاربة تلك هي سطحية ما تتنازع عليه وتفاهته، فلا نجدها –كما تحاول أن توهمنا- ذات هم إنساني معرفي تتبنى قضية الفرد المهمش، المريض، السجين، الفقير فتلك الأهداف بعيدة عن رغباتها بقدر ما نجدها منهمكة في الحصول على مكاسب تفرضها مكانة السلطة والسيادة على المشهد الثقافي وما تمنحه هذه السلطة من امتيازات معروفة وما يتبعه من فرض نفوذ على الجميع حتى تتحول الساحة إلى معكسر لا يعيش فيه إلاّ أبناء حزبه أو أيدلوجيته أو نمطه الكتابي. إنها حرب عصابات، لكنها عصابات ترتدي جلباب الثقافة المهترء!

(5)

على سبيل المثال، يليق بهؤلاء المتنازعين أن يتطاحنوا على كيان بلا روح ومشروع مؤثر أو يتنازعوا على التبرك بأحضان مسؤول حكومة تملقاً أو ابتذال ظهور أعلامي مفتعل .. والخ مما يخجل أن ينسب لحملة الضمير الإنساني المثقل بعذابات الناس ومآسيهم. من غير الممكن، أبداً، بناء حضارة ومعرفة وأدب يستحق الذكر في ظل معارك هذه الفئة العرضية تلك التي لا تتوانى عن تفضيل مصالحها الدونية الصغرى على ما ترفعه من شعارات ومُثل عليا. هؤلاء بأقصائياتهم المجنونة يقصون الثقافة كمفهوم، حواراً ونقاشاً وجدلاً ايجابياً.هكذا يتحولون إلى دعاة دين أو طريقة أصولية: فاما أن تؤمن أو تحل عليك لعنتهم.

(6)

يد تبني هنا وربما هناك

بينما معاول كثيرة تهدم، كل يوم، ما تستطيع.

جاك بريفير .. الطفل المحتج أبداً


المحتج ابداً، الناقد النافذ والساخر اللاذع، الهادم لمسلمات المجتمع والثائر دوماً من اجل روح الجمال ، الجمال الاعتيادي البسيط الذي ممكن ان يمثله مجرد حصان مسكين يموت على رصيف رخيص. السريالي العجوز، الشعبي المتفجر، السينمائي الطفل ،المسرحي الملهم الساخر من شخصيات التأريخ، كلها مجتمعة واكثر مثلت شاهدا قويا ليس على فرنسا وأوربا في تلك الفترة المشتعلة من عمر القرن المجنون المنصرم والممتدة بين 1900 ( عام ولادته ) حتى 1977 (عام الرحيل) - لم يمثل شهادة فرنسية أوربية فقط بقدر ما كان خطابا احتجاجيا متواصلا على ما يحيط الإنسان المعدم والبسيط من دمار وظلم وجوع ومرض وشعور كبير بالحبس الإجباري وامتد هذا الانثيال الإنساني في داخل بريفير الى كل ما هو جمالي ( اعتيادي) في عالمنا المهووس لم يكن معني كثيرا بما هو ميتا فيزيقي او صوفي بقدر اهتمامه بالشعبي السائد في الشارع من الإنسان كقيمة عليا وحتى اصغر الأشياء وأتفهها ربما كالحجارة في الطريق. أيام التكوّن المنسية بريفير الطفل ولد في باريس وتمثل له أماكن الطفولة ذلك الحلم الساحر العابق الذي كوّن لا شعورياً لبنات شخصية بريفير الرافضة الثائرة العيش وسط الطبقة العاملة المعدمة، تنشق هواء الحرمان والقهر وتماسه المباشر مع كل ما كان يدور في تلك الفترة الساخنة من عمر فرنسا وخلف جدران البيوت وأسرارها المرة المترعة بكل تناقضات الحياة وتقاطعاتها الغريبة من فرح وحزن ، كفر وأيمان ، خيانة ووفاء ، إحباط ونجاح ، موت وحياة .. هذه الأماكن ظلت الخزين الأول المهم الذي غطى بشحناته الفترات اللاحقة لمغامرة بريفير الحياتية الصعبة والمشتبكة . لم يفارق باريس كثيرا سوى لاغتراب مفاجئ حصل بسبب حالة رب الأسرة الاقتصادية التي اضطرته للسفر بحثاً عن المال، وسوى الزيارات الشبه سنوية التي كان يقيمها والده للعائلة لمقاطعة (بريتايني) المشرفة على المحيط الأطلسي هذه الزيارات لتلك البقعة الهادئة بأجواءها الساحرة تركت في صدر بريفير شاعرية مستوحاة من هدوء الارض وسكونها وهياج المحيط وثوراته لتكون فيما بعد بريتايني ( الموطن الأصلي للعائلة) القالب المكاني للعديد من قصائد بريفير واعماله المسرحية.بريفير الحر المتمرد كان رافضا مميزا للقيود بشتى أنواعها الكبيرة التي قد تبرز بأنساق اجتماعية صارمة ينبغي عدم تجاوزها والصغيرة منها التي ربما تكون مختلفة من شخص لاخر حسب تكوينه النفسي والفكري كالمدرسة مثلاً اذ كان بريفير كارها للمدارس ناقما عليها ليس لكونها مدرسة بحد ذاتها بل للأساليب المنتهجة في تعليم الصغار والكلاسيكية المضجرة التي قد لا تراعي الوضع النفسي الخاص للنشء والذي قد يتغير من طالب لاخر وبتالي تحول المتلقي الي متلق سلبي غير فاعل. كان شغوفا ( بالكسالى) من الطلبة وظهر ذلك جلياً في عدد من نصوصه التي عبر فيها عن حاجاتهم الخاصة وأراءهم المختلفة.واحتفى بريفير بالطفولة بشكل كبير وافرد لها جزءا واسعا من تجاربه الشعرية وطارد هموم الطفل ومشاكله بأدق التفاصيل فكتب عدا موضوعة المدارس عن قسوة البيوت وغباء الأباء في فرض نمط حياتهم بالقوة ومشاكل الأطفال القاصرين في مستشفيات التأهيل ومعاناة اليتامي في مؤسسات الدولة المجتمع .. بوابة الفساد الشريف! الفضاء الكبير الذي تجتمع فيه البشر وتتعايش وتمارس حاجاتها بأشكال مختلفة ومتنوعة والحرب الكبيرة والتنافس بين البشر على حياة افضل ربما تجعل المصالح تتقاطع مما يولد مواجهة تنتهي بخسارة الضعيف / الفقير وانتصار القوي / الغني الذي يتلاعب بكل شيء ثابت ويغيره حسب أهواءه المريضة حتى القانون والشرع التي لا تساوي عنده حذاء قديم!المجتمع ليس سوى بوابة يطل منها الإنسان / الشاعر على كل هذه التناقضات المدوخة التي تطيح به وترنحه على أرصفة شوارع الفقر والحرمانالشعارات الفاسدة والأحلام المضللة للساسة ، الأيدلوجيات الشريرة، الفكر الخداعي للشعوب، الكذب، الخداع، خسارة المتفوقين لفرصهم في حياة افضل مقابل صعود المسوخ واستيلاءهم على كل شيء بالقوة. هذا العويل الكبير حوله بريفير الى انتقام حاد وهجوم شرس على كل الثوابت والقواعد السابقة لم يسلم من انتقاده شيء بدءاً من القيم والأعراف السائدة والأمثال والحكايا الموروثة وانتهاءاً بالسماء التي وجه إليها هجومه أيضاً وقد يكون السبب في ذلك انتماءه اللصيق بالحركة السريالية خاصة اذا عرفنا انه كان صديقا مهماً ل(مارسيل دوهاميل) و (ايف تانغي) وتعرف بعدها على بريتون وايلوار وانضم معهم للسريالية مؤمناً بها ومدافعاً عنها بكل ما حملته من هدم للقواعد الدينية والاجتماعية بشكل عام واثر ذلك الانتماء والإيمان على شعر بريفير في تلك الفترة وما بعدها. انصب هجوم بريفير على مسببو الحروب وقد شخصهم بالرأسماليون وهاجم أيضا المؤسسة الدينية وكان يعلن عدم إيمانه بها بالإضافة إلى القيم البرجوازية في المجتمع والتي كان يراها فاسدة ومضللة وانتقل نقده الساخر إلى الفكر الذي يحرك هذه القيم و يسوغ لافعالها وينظّـر لها بل هاجم مؤيدي هذا الاتجاه من الكتاب والفنانين والصحفيين.كان شغل بريفير الشاغل هو الهم الإنساني فتراه يتأمل بعمق بالكثير من صور الحياة: دم المنتحرين والمرميين بالرصاص والذين يموتون بحادث عابر، صراخ ام في الولادة وبكاء الوليد ، الغسيل بيد فتاة غضة تطل من شرفة في حي فقير، ريش السنونوات المهاجرة، حيرة بائعة الأزهار وهي تفكر بأولادها المرضى في المستشفى، وصوت المطر الحزين على نافذة عجوز تركها أولادها على حين غرة. خصوصية الاشتغال الشعري لدى بريفير البساطة والعفوية واليومية والمفارقة هي ابرز سمات اشتغال جاك بريفير الشعري، البساطة في التركيب الشعري والتعابير المستخدمة اذ ينتقي اغلب مفرداته من الشارع الفرنسي ويدرج إلى استعمال ألفاظ شعبية محلية غير مطروقة ويوظفها في النص توظيفاً ذكياً غير مبتذلاً واستخدام اللغة المحلية في شعر بريفير له خصوصية التعبير عن الهم الفردي للإنسان مستغلا التراكمات الاجتماعية وإيقاع الحياة ولغتها المشاعة التي يحولها بريفير الى نصه بفن متفرد له ادواته وتقنياته الأسلوبية التي لا يتسخدم بها المصطلح الغريب والشاذ بقدر المشاع اليومي وبصياغات متنوعة حسب التركيب الذي يصممه في بناء القصيدة ( البريفيرية) –ان صحت التسمية-هو يخاطب الجميع بلغتهم وبالجمل التي يستعملوها في حياتهم الاعتيادية وقد أفادت هذة الأسلوبية بيريفير في تقريبه من فئات كبيرة من الشعب الفرنسي ولم يكن حضورا مقتصرا فقط على الطبقة الثقافية فكثيرا ما تصفه الدراسات هناك بالشاعر الشعبي.أما عفوية شعر بريفير فتكمن في إحساسه الخاص ان العفوية في كتابة النص الشعري هي أهم صفات ومقومات الشعر الصادق بحسب تعبيره فهو يعتبر ان العفوية هي السمة الأبرز في الشعر وكان ينتقد بعض مجايليه ممن يؤمنون بضرورة إجراء تعديلات على النص الشعري بعد كتابته بفترة طويلة اذ يرى ان هذه الممارسة تقتص من عفوية اللحظة الشعرية وخصوصيتها في تلك الفترة وحالة الشاعر النفسية أثناء كتابة النص لاول مرةغير ان عفوية بريفير عفوية مدروسة ومحسوبة بدقة عالية تصب في مصلحة النص وليست عفوية مفرطة انفلاتية تأخذ النص لمتاهات اغترابية تنهيه بغير ما ابتدأ بههي عفوية نظامية مدروسة تبدأ في جزيئات النص الأولية إن اقتطعناها وتتطور في السياق العام الشعري.ويستقي بريفير عفويته من استغلال الموروث الهائل للحياة الفرنسية المضطربة آنذاك فتراه يجتهد في اختيار موضوعة بسيطة ويفجر حولها اللغة مستفيدا من التلاعب بالحروف والجمل او بعض خصائص الجناس في اللغة الفرنسية محاولا تحقيق عنصر الصدمة والغرابة بأكثر الصور عفوية وبساطة.ومن الجدير بالملاحظة ان بريفير مارس الفن السينمائي حتى أواخر حياته كمؤلف وكاتب حوار ومساعد مخرج وقدم عددا من الأفلام الناجحة بالإضافة الى الكتابة المسرحية التي مارسها منذ مطلع الثلاثينات ألّـف خلالها مسرحيات جابت مسارح فرنسا وبعض المسارح الأوربية، وقد تركت الممارسة الكتابية في المسرح والسينما أثرا في تقنيات السرد الشعري عنده هذا الى جانب العمل الإخراجي كمساعد مخرج استفاد خلالها من تقنيات السينما والمسرح الكثير ووظفها بحرفنه داخل النص كالصور الفجائية السريعة في قصائده والمشابهه لحالة الصور الفلاشية السينمائيةاو خاصية العرض الصوري التدريجي والحوار وتقنياته المختلفة بالنسبة للمسرح.يغلف هذا كله الأداء الناقد الساخر المحتج دائماً البسيط / غير المصطنع واعادة النظر للحياة وتشكيلها من جديد بوجة نظره الشاهدة على الأحداث.يومية مواضيع بريفير مرتبطة بخيط رفيع بأفكار وقضايا عميقة وملتبسة وخطيرة اذ يستل من موضوعة يومية إشكالا يربطه بفكر او اعتقاد ونسق اجتماعي سائد وقد يستخدم نوعا من السرد الحكواتي في نصوصه فيما اسميه ( قصة شعرية ) لها بالطبع خصوصية الشعر الفرنسي والأجواء الكتابية السائدة آنذاك والتي ربما كانت تتقبل محاولاته في هذا الإطار.يظل جاك بريفير روح الطفل المحتجة على قبح الحياة وتناقضاتها المرة ، يظل الساخر أبدا من الطغاة والعتاة والمردة عبر التأريخ ، المنتصر للعمال والفقراء المعدمين على وجه الأرض حاملا روح الشعر العظيمة والفن المتفرد الخالص صادما الإنسان بمسلماته وثوابته مهزهزاً الأرض من تحته ومفجرا قناعته وممزقا ولأقنعته الخادعة.